كامل الصورة
مقدمة
منشأ الإشكال عند المتأثرين بالشبهات المثارة ضد الثوابت الإسلامية هو عدم الإحاطة علماً بالقضية المستشكلَة بل النظر إليها من زاوية ضيقة.
الباب الأول: دلائل أصول الإسلام
أولاً: إثبات وجود الله سبحانه
كثير من المتحيرين في وجود الخالق يتركون الأدلة الواضحة السهلة القريبة ويتطلبون الطرق الوعرة الطويلة التي قد لا توصل إلى نتيجة أصلاً، وقد يشترطون شروطاً -في الدليل- راجعة إلى أذواقهم واستحساناتهم الشخصية وليس إلى معايير منهجية وموازين موضوعية.
إثبات وجود الله أمر فطري عقلي قريب لا يجهد العقل في الوصول إليه؛ قائم على مبدأ “الاستدلال بالأثر على المؤثر”.
أسباب الإشكالات والاعتراضات
الانحراف في باب مصادر المعرفة ووسائل اكتسابها
حصر طرق اكتساب المعرفة في مصدر واحد مع إهمال بقية المصادر. أهم المصادر التي نكوّن المعرفة عن طريقها: العقل، الحس، والخبر الصحيح الصادق.
مثال
إذا قلت للملحد: إننا نؤمن بوجود الله سبحانه اعتماداً على دلائل العقل القطعية وعلى الفطرة. يقول لك: لكني لا أثق إلا بالأدلة الحسية التجريبية المبنية على الملاحظة في المختبر، وبما أن أدلة وجود الله ليست كذلك فإنه لا يؤمن.
عدم تصور حقيقة أدلة المؤمنين والتسوية بينها وبين شبهات الملحدين
كثيراً ما يستهتر الملحدون بأدلة المؤمنين على وجود الله فيصورونها على غير حقيقتها حتى يظن الجاهل أن أدلة المؤمنين إنما هي مغالطات وتعصب وإيمان جامد، وهذا غير صحيح.
ادعاء نتائج غير صحيحة لفقدانها شرط التلازم
من شروط صحة الاستدلال أن تكون النتيجة مستنتجة من الدليل بطريق اللزوم، أما الاستدلال بالأدلة الصحيحة على نتائج لا تلزم منها فهذا خلل يمارسه كثير من الملحدين ومثيري الشبهات.
مثال
الاستدلال بالنظريات والقوانين العلمية التي تفسر حركة الكون أو نشوء المخلوقات على نفي وجود الخالق؛ وهذا استدلال يفتقد التلازم، فوجود القانون لا يلزم منه عدم وجود مدبر له.
الكبر والهوى
أكثر انحراف الناس على مر التاريخ هو بسبب الأهواء في النفوس؛ لأن الاعتراف بوجود الله وألوهيته يستلزم مخالفة الهوى والكبر، والخضوع لقوانين الله وشريعته، وهذا فيه فقدان الكثير من المكتسبات الدنيوية التي اعتاد عليها أهل الدنيا.
ثانياً: الغاية من الوجود
إذا كان كل شيء في هذا الكون يدل على أنه ليس نتاج الصدفة، فإنه يدل كذلك على وجود الغاية وانتفاء العبثية وراء إيجاده.
نفي الصدفة يعني أن هناك سبباً مناسباً وراء الشيء الذي حدث.
نفي العبثية يعني أن هذا السبب كان له حكمة وغاية وقصد في إيجاد ما أوجد وليس لمجرد العبث.
ما هي الغاية العظيمة وكيف نعرفها؟ نعرف الغاية من خلال رسالة الله الخالق والاهتداء بالعلم الذي أنزله على رسله (بعد إثبات وجود الخالق وأنه أرسل رسلاً وأنزل كتباً ليبين للناس ما يريد منهم).
الإنسان يريد الوصول إلى معرفة تفصيلية بخالقه، يريد أن يتعرف عليه ويتواصل معه. يشعر في نفسه بالتعظيم له. الإنسان يريد أن يعرف مبدأ ومصيره، يريد أن يعرف ما يريده الخالق منه، فهو يحتاج إلى بيانٍ شافٍ ممن يعلق حقائق كل شيء ويحيط بها سبحانه.
لأن الله سبحانه كامل الصفات اقتضت حكمته ورحمته أن يبين للإنسان هذه الحقائق عن طريق صفوةٍ من البشر بلغوا الغاية في الصدق والأمانة والتقى.
الرسالة الإلهية الخاتمة تعرّف البشرية بعظمة وجلال وكمال خالقهم جل وعلا، وتعرّفهم بأن إراداتهم الحرة محلٌّ لابتلاء الله لهم ليعبدوه طوعاً واختياراً، فيثيبَ مطيعهم بأعظم الثواب ويعاقب عاصيهم بأشد العقاب.
الغاية من الوجود
- معرفة الله العظيم
- التقرب إليه اختياراً
- إثابة المحسنين بأعظم النعيم
- إيجاد الحق والباطل امتحاناً واختباراً لينتج عن ذلك اصطفاء أفضل المخلوقات وإبعاد أرذلهم ومعاقبتهم
- ظهور آثار صفات الله سبحانه من العلم والخلق والحكمة والقدرة والعزة والرحمة…الخ من غير احتياج لهم
ثالثاً: إثبات النبوة وصحة القرآن الكريم
التشابه بين القرآن والكتب المقدسة قبله إنما هو من العلامات المؤيدة لصدق النبي ﷺ، إذ إن سبيل علم النبي بتلك القصص الصحيحة إنما هو من الوحي.
في القرآن أخبار غيبية تحققت كما هي، لو لم يكن القرآن من عند الله وما كان النبي واثقاً تمام الثقة لما جزم بحديثه عن نتيجة حرب (بين الروم والفرس) لم تنشب بعد وحدد وقت وقوعها ونتيجتها.
ابن أبي العز الحنفي - شرح الطحاوية
النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تُعرب عنهما، وتُعرِّف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟
رابعاً: محاسن الإسلام
أكثر من يدرك محاسن الإسلام على حقيقتها، وأكثر من يشعر بحلاوة الإيمان ويتذوقها هو الملتزم بتعاليم الإسلام وآدابه في نفسه ومع أهله وجيرانه وفي معاملاته وفي خلواته.
تميز الإسلام على سائر الديانات الموجودة اليوم بوضوح العقيدة في (الإله) من جهة الكمالات المتعلقة به، ولذا فإن العقل لا يجد تكلفاً في قبول الاعتقاد الإسلامي في الله سبحانه.
من أهم ما يُبرز محاسن الإسلام ويرسخها في النفس: النظر إلى أحوال الجاهلية.
ول دورانت - قصة الحضارة
وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في النفس، قلنا: إن محمداً كان أعظم عظماء التاريخ، فقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعبٍ ألقت به في دياجير الهمجيةِ حرارةُ الجو وجدبُ الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحاً لم يدانيه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله، وقلّ أن نجد إنساناً غيره حقق كل ما كان يحلم به.
مكانة القيم الأخلاقية والسلوكية في الإسلام
لك أن تتخيل محل القيم الأخلاقية والسلوكية في الإسلام عندما تجد في نصوص الشريعة ما ينفي الإيمان عن المرء إذا لم يلتزم ببعض القيم الأخلاقية كحسن الجوار، والإيمان أهم ما يعيش المسلم لأجل المحافظة عليه.
تعلمنا من الحديث الصحيح:
- أن “المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم”
- أن النبي ﷺ أقسم بالله ثلاثاً أن مؤذي جاره ليس مؤمناً
- أن “من شرّ الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه”
- أن التواضع رفعة وأن العفو عزّ
- أن ننظر إلى المرأة المؤمنة بعدل وموازنة، فإن كرهنا منها خُلُقاً رضينا منها الآخر
- الدفاع عن المال المكتسب من الحلال شرف وكرامة، ولو قُتل المرء وهو يدافع عنه فإنه شهيد
- أنه لا ينبغي للمؤمن أن يكون مغفلاً مخدوعاً، “لا يُلدغ المؤمن من جُحر واحد مرتين”
- حجم المسؤولية التي تقع على عاتق الفرد تجاه ما يحصل من تجاوزات في المجتمع
- الحرص على حسن المظهر فـ “إن الله جميل يحب الجمال” وعلى حسن رائحة الفم فـ “السواك مطهرة للفم مرضاة للرب”
- إحسان الظن فـ “الظنّ أكذب الحديث”
- حمل أمور الناس على الظاهر وعدم الدخول في تحليل النوايا “أشققت عن قلبه؟”
- أن للمرأة المسلمة من المكانة ما استحقت به أن يخصها النبي ﷺ بالتوصية يوم اجتماع أكبر عدد من الناس في حياته -في الحج- بقوله: “اتقوا الله في النساء”
- وجوب مراعاة مشاعر من يشترك معنا في المجلس “فلا يتناجى اثنان دون الثالث”
- بث روح الأمل والعمل الصالح أمام المخطئ ليعوض ما فاته
- مكانة الوالدين ومنزلة الأرحام وحق الجار، والوفاء لأصدقاء الأب بعد موته “إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه”
- أن الحياء من خير الصفات في الإنسان، ولا يحسن أن تمنع هذه الصفة صاحبها من قول الحق والقيام والصدع به
- أن “شر ما في رجلٍ شُحٌ هالع وجُبنٌ خالع”
الباب الثاني: مصادر التلقي الشرعية والموقف منها
مصادر التلقي الشرعية
أحال الشيخ على مادتين:
- الهداية المعرفية وفيها تأسيس منهجي لقضية المعرفة ومصادر التلقي الشرعية وكيفية التعامل معها
- مصادر التلقي والمعرفة
ومن المصادر المفيدة:
- كتاب التسليم للنص الشرعي - فهد العجلان
- ينبوع الغواية الفكرية - عبد الله العجيري
- منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد - عثمان علي حسن
مدخل في التسليم لأمر الله ورسوله
التسليم لله ورسوله يكون في الأخبار وفي الأوامر على حد سواء:
- التسليم للخبر الشرعي هو التصديق
- التسليم للأمر يكون بالقبول الداخلي له ثم بالانقياد والعمل بمقتضاه
التهوين من عبادة التسليم ينزع من العبد سر عبوديته لله التي هي في الحقيقة حريته في هذه الحياة
من المجالات لحركة العقل بعد التسليم:
- التفهم والتدبر والاستنباط من النص
- استخراج الحِكم والمقاصد والعِلل من مجموع النصوص
- الجمع بين النصوص التي يكون ظاهرها التعارض
- تنزيل النص على الواقع وملابساته ومتغيراته
المطلوب من المسلم وجوباً تجاه الأخبار والأوامر الشرعية هو الإيمان والتسليم والانقياد، فإن هذا هو معنى الإسلام أصلاً، وهو الاستسلام لله تعالى.
حجية السنة النبوية
القرآن مليء بالإرشاد إلى السنة، منها:
- النصوص القرآنية التي فيها الأمر برد التنازع إلى الله والرسول
- النصوص القرآنية الآمرة بطاعة الرسول ﷺ، فإن فيها دلالة بينة على وجوب اتباع سنته
كيف يحكم المحدثون على الحديث بالصحة؟
شروط صحة الحديث:
- عدالة الرواة
- وضبطهم
- واتصال السند
- وسلامة الحديث من الشذوذ
- وسلامة الحديث من العلة
الإجماع
التصورات المعاصرة الخاطئة في باب الإجماع:
- تجويز خطأ جميع الأمة على مر قرونها، وربط ذلك بعدم حجية الإجماع
- مدعي هذه الدعوى يعارض الآيات والأحاديث التي جاء فيها بين خيرية هذه الأمة وعدالتها
- عدم التفريق بين الإجماع القطعي والإجماع الظني، وبين ما هو متعلق بالمعلوم من الدين بالضرورة وما ليس كذلك
- ولا يفرقون بين إجماع توارد أهل العلم على اختلاف مذاهبهم وبلدانهم على نقله وإقراره وبين إجماع يتفرد بنقله عالم واحد من مذهب واحد
- الخلط بين التقليد المذموم وبين قبول إجماع المسلمين واتباعه
- تسويغ الخروج عن الأسس المنهجية العلمية العامة المتفق عليها بين العلماء في الجملة
من التوجهات التي ذكرها أهل العلم في عبارة أحمد بن حنبل (من ادعى الإجماع فهو كاذب)، قال المراوي:
وأما ما روي من قول الإمام أحمد: “من ادعى الإجماع فقد كذب” فهو إنما قاله إنكاراً على فقهاء المعتزلة الذين يدعون إجماع الناس على ما يقولونه، وكانوا من أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين.
ومن التوجهات لعبارة أحمد كذلك: أنها محمولة على جهة الورع في الدعوى، بمعنى أن دعوى الإجماع أمر صعب، فلعلّ هناك خلافاً لم يبلغ مُدعي الإجماع؛ فلذلك أرشد الإمام أحمد إلى استعمال عبارة: “لا أعلم فيه اختلافاً” ونحوها، لأنها أقرب إلى الواقع.
أحاديث الرجم مثلاً، أحاديث صحيحة لا ريب في صحتها، ثم توارد العلماء على نقل الإجماع على ما جاء فيها من الحد، فمثل هذه الإجماع قطعي مستنده النص، وهو متحقق الوقوع، غير أن بعض المعاصرين يستسهلون تناول المواضيع دون تحقيق ودون تفريق بين المُختلفات.
الباب الثالث: فهم الإسلام
الدين، بفهم من؟
نقول لهؤلاء: هل يوجد أي حقيقة متفق على فهمها في القرآن؟ إن قالوا: لا، نقول لهم: إذن لماذا أُنزل القرآن؟ أليس ليكون حجة لله على عباده؟ ألا يعني هذا أن ترك الناس دون قرآن لا يضرهم شيئاً لأنه لم يأت بحقيقة جديدة؟
لو كان لكل شخص قراءته ولا نستطيع أن نخطّئ أحداً؛ فلماذا نجد هؤلاء الذين يدعون إلى القراءة المفتوحة للنص يخطّئون بعض القراءات الأخرى؟ حيث نجدهم يقيّمون قراءات بعض الإسلاميين للقرآن بأنها قراءات غالية في فهم النص. فعلى أي أساس حددوا المعنى المعتدل ليحكموا على غيره بالغلوّ؟ ألم يقولوا بأن القراءات مفتوحة؟
الفهم الصحيح
من أهم ما يعين على الفهم الصحيح:
- تفسير القرآن بالقرآن
- تفسير السنة للقرآن
- فهم الصحابة للقرآن
أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أعلم الناس بلغة العرب، وعاصروا وقت التنزيل، ولازموا رسول الله، وهذا يؤهلهم ليكونوا أفهم الناس للقرآن، وهذا لا يعني أنه لم يعد هناك حاجة لتفسير القرآن وفهمه بعد الصحابة؛ فهذا كلام باطل، إنما المقصود أن نهتم بأقوالهم وتقريراتهم في التفسير ونجعل لها مكانتها وقيمتها، وألا نضرب بتفسيرهم عرض الحائط.
المُحكم والمتشابه
قال الطبري مفرقاً بين المحكم والمتشابه
المُحكمات من آي الكتاب ما لم يحتمل من التأويل غير وجهٍ واحد، والمتشابه منه ما احتمل من التأويل أوجهاً.
الإسلام لم يأتِ ليكون رأياً من الآراء أو ليتعامل معه بنقيض مقاصده ومحكماته، بل هو دين الله وشريعته وحكمه، بين واضح، من يأخذ به ينجو، ومن يتركه يضلّ ويهلك.
بين نصوص الشريعة ومقاصدها
مقاصد الشريعة: المعاني والحِكم التي راعاها الشارع في تشريع الأحكام، أو المعاني الغائية التي اتجهت إرادة الشارع إلى تحقيقها عن طريق الأحكام الشرعية.
من أمثلة مقاصد الشريعة:
- تحقيق العبودية له وإعلاء كلمته وإظهار دينه
- حماية الضروريات الخمس: الدين والنفس والنسل والعقل والمال
- اجتماع كلمة المؤمنين وعدم تفرقهم
- منع الظلم وتحقيق العدل
من أهم الأمور المعينة على فهم الإسلام فهماً جيداً: إدراك أن مقاصد الشريعة على مراتب ودرجات، وأن بعضها يُقدم على بعض عند التزاحم.
فهمنا للنصوص والمقاصد بناء على أولوية الغاية التي خُلقنا من أجلها يضمن سلامة بوصلة الفهم عند الحديث عن الإسلام عموماً وعن المقاصد خصوصاً.
يقول الشاطبي في الموافقات
الشارع إنما قصد بوضع الشريعة إخراج المكلّف عن اتباع هواه حتى يكون عبداً لله.
تحقيق العبودية لله تعالى هو أخص مقاصد الشريعة التي تميزها عن غيرها من الديانات. من الخطأ الكبير عند الحديث عن مقاصد الشريعة في الإسلام الاكتفاء بالمقاصد المشتركة مع المذاهب الوضعية البشرية، مثل العدل والحرية، وترك المقاصد المميزة للإسلام عن غيره.
بث المشتركات لا يكون على حساب تشويه ما يتميز به الإسلام ويختص به عن غيره.
من الميزات المترتبة على فهم مقاصد الشريعة أنها تشكل حماية دون الانحراف في فهم النصوص انحرافاً شمولياً، لأن المقاصد هي الغاية، وآليات فهم النصوص هي المنهج والطريقة.
لماذا يختلف العلماء؟!
الموقف الخاطئ الذي يقوم به كثير من الناس هو الانتقاء من بين الأقوال الفقهية -لا على أساس القرب من الدليل- بل على قدر توافق القول الفقهي مع ما يحبه ويرغبه ويشتهيه المختار. ويظن أن مجرد وجود الخلاف إيذانٌ بأن ينتقى من الأقوال ما يشاء!
المطلوب من المسلم أن يسأل عما يشكل عليه علماءَ بلده الذين يثق بدينهم وعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله ومذاهب العلماء.
أسباب الاختلاف بين العلماء
- عدم بلوغ النص الشرعي للعالِم
- الاختلاف في فهم الدليل
- توهم وجود معارض للدليل: كأن يحمل العالم الحديث الذي معه على أنه منسوخ أو أنه في صورة خاصة، أو يرجح الدليل الآخر عليه إن لم يستطع الجمع بين الدليلين
أنت يا من بلغك الخلاف: حين سمعت كلام الطرف الآخر، وعرفت أن معه الدليل، فليس لك عذر في أن تأخذ قول العالم الأول الذي لم يبلغه الدليل
الواجب إحسان الظن بأئمة المسلمين، ومعرفة أنهم يعظمون كتاب الله وسنة رسوله ولا يتعمدون مخالفتهما
هل الاختلاف رحمة؟
الكثير من الخلاف بين العلماء هو خلاف رحمة لأن فيه سعة وتيسيراً على المسلمين؛ وذلك في المسائل التي يكون الخلاف فيها معتبراً. وقد يكون الخلاف فتنة على البعض بسبب التعصب للمذاهب والعلماء أو الأقوال، وقد يكون فتنة كذلك عندما يبني المرء دينه على الأقوال الشاذة ويتتبع الرخص.
من يمتلك الحقيقة؟!
أحوال الناس في موقفهم من امتلاك الحقيقة:
- من يعتقد بأنه صاحب الحق دائماً وفي كل القضايا، وأن مخالفه على باطل أو خطأ
- من يعتقد أنه على الحق في بعض المسائل ومخالفه فيها على خطأ، لكنه يؤمن بأن كثيراً من المسائل التي يرى فيها الصواب أنها مسائل اجتهادية وأن قول مخالفه يحتمل الصواب
- قسم أصحاب نظرية “نسبية الحقيقة”، حيث يرون أن الأمر نسبي في جميع الاختلافات
الخلاف بين الأديان
القرآن والسنة يدلان بوضوح وقوة على أن كل الأديان بعد ظهور الإسلام باطلة.
الخلاف بين طوائف الأمة الإسلامية في القضايا الاعتقادية
بيّن النبي ﷺ للمسلمين ما يجب عليهم في الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وقضائه وقدره وملائكته واليوم الآخر، وأكّد على أهمية الاتباع وعدم الاختراع في قضايا الدين اعتقاداً وعملاً.
والنبي ﷺ قد بلغ النصوص المتعلقة بالاعتقاد على كثرتها دون أن يُرشد أمته إلى موقف خاص يقفونه تجاهها يختلف عن موقفهم من نصوص الأحكام، ولو كانت هناك طريقة معينة خاصة يريد منا التعامل بها مع نصوص الاعتقاد لأرشدنا إليها.
الصواب في هذه الاختلافات ليس مع الجميع، بل مع من سار على نهج أصحاب رسول الله الذي ورثوه عن المصطفى ﷺ، ولا يعني ذلك قطع الأواصر والعلائق بين المسلمين من جهة التعامل والتعاون.
المطلوب في هذا الخلاف بيان الحق بدليله، ونصيحة المسلمين، وإرشادهم إلى الحق الذي كان عليه أوائل هذه الأمة، وبيان خطأ ما نشأ من التفرق بعد ذلك، مع عدم الانشغال بالجدل والخصومات وعدم رفض سبل التعاون بين المسلمين.
الباب الرابع: قضايا يدور حولها الجدل
الحكمة من وجود الشر
من يُلحد ويرتد عن الإسلام بدعوى أنه ما وجد إجابة على سؤال (لماذا يوجد الشر وتحدث المصائب مع أن الله رحيم؟) لن يجد تفسيراً منطقياً لهذا السؤال في دائرة الإلحاد، لأنهم يعتقدون أن الذي مات مظلوماً فإن نهايته تحت التراب ولن يأخذ حقه أبداً، والذي مات جباراً ظالماً فنهايته تحت التراب ولن يعاقب على طغيانه.
الله تعالى أخبرنا أنه سيبتلي عباده بأنواع من البلاء. (السنن الإلهية - سنة الإبتلاء). فالتعامل مع هذا السؤال وكأن الله لم يخبرنا فيه بشيء يُعد نقصاً في التصور والبحث.
لكي نُحسن النظر في قضية وجود الشر ونجمع بينها وبين وجود الخالق الحكيم، لنتأمل هذه الحقائق الإسلامية:
الحقيقة الأولى: { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } - العنكبوت - 64
الذي ينتظر رؤية الكمال المُطلق في الدنيا فإنه معارض للحكمة الإلهية التي اقتضت أن تكون الدار الآخرة هي دار الكمال. قضية الحكمة من وجود الشر لا يمكن فهمها بدون إيمان بالله وباليوم الآخر.
ومن يختزل نظرته إلى الشرور التي تقع على الإنسان فيجعلها نظرة دنيوية فقط فهو بلا شك سيرى في الأمر ظلماً، ولكننا نؤمن تماماً بأن الدنيا إنما هي معبر إلى الدار الآخرة.
الدنيا ليست دار جزاء ولا أخذ حقوق إنما هي دار امتحان واختبار.
الحقيقة الثانية: التكليف
الله جعل للإنسان إرادة يختار فيها بين الخير أو الشر، وحين يختار الإنسان الشر (القتل أو الظلم أو السرقة) فإنه يُنسب إليه لا إلى الله تعالى، فالشر ليس إليه سبحانه.
الله تعالى قدّر كل شيء وخلق كل شيء، وليس كل ما قدّره أحبه.
الحقيقة الثالثة: الشر ليس شراً محضاً
كثير من الشرور التي نراها ليست شروراً محضة من كل وجه بل يكون فيها جوانب خير.
الحقيقة الرابعة: الإنسان قاصر عن رؤية كامل الحكمة فيما أراد الله الحكيم
الله جل وعلا هو الحكيم الذي ظهرت آثار حكمته على كل شيء من خلقه
الحقيقة الخامسة: سنن الله في الأرض
جعل الله من السنن في هذه الدنيا: المدافعة بين الحق والباطل، ولذلك خلق إبليس رأس الشر، ولم يجعل له من سلطان على الناس إلا الإغواء وتزيين المعصية والكفر، ولم يتركها الله سبحانه دون بيان ما يعترض طريقنا من خطر الشيطان وحزبه وإغوائهم.
الحقيقة السادسة: وجود الله تعالى ثابت، تجاهل الثبوتية بسبب شبهة معينة هو مشكلة
وجود الله تعالى ثابت، تجاهل الثبوتية بسبب شبهة معينة (كشبهة وجود الشر) هو في الحقيقة تغليب للجانب الأضعف على الجانب الأقوى، وتقديم للفرع على الأصل، وتغافل عن الثغرات الموجودة في الشبهة مقابل الإتقان الموجود في الأصل.
دعوى مظلومية المرأة في الإسلام
كثيراً مال يدخل المشككون في الإسلام من باب المرأة؛ يستثيرون بذلك عواطف المسلمات اللاتي لم يعرفن دينهن حق المعرفة.
إغفال جوانب الإكرام التي حظيت بها المرأة في الإسلام
فقد ضرب الله مثلاً للمؤمنين بامرأتين يقتدي بهما الرجال والنساء. ومكانة الأم التي حظيت في الإسلام بمنزلة لا يمكن أن تحظى بها في أنظمة الدنيا كلها. وفضل الإحسان إلى الأنثى.
إغفال ذكر التخفيف والتسهيل على المرأة في عدد من الأحكام الشرعية مقابل التشديد فيها على الرجال
فيجوز للمرأة لبس الذهب والحرير ويحرم ذلك على الرجل. ويجب على الرجل بذل المال وجوباً للزوجة كنفقة مستمرة ولو كانت غنية. وعلى الرجل حضور صلاة الجماعة في المسجد، ويجب عليه الجهاد كفايةً أو عيناً، وتؤخذ الجزية من الرجال غير المسلمين ولا تؤخذ من النساء.
إغفال الآثار السلبية المترتبة على الانفلات من تشريعات الله للمرأة
كالانتكاسة الفطرية في الشذوذ الجنسي، والإجهاض، والعلاقات المحرمة، والخيانات الزوجية، واختلاط الأنساب.
عدم قراءة حكمة الله تعالى في تشريعاته المتعلقة بالمرأة
الله تعالى حين شرع الأحكام فإنه شرعها باعتبار كونها مرتبطة بالآخرة وبكونها مرتبطة بمقاصد الإسلام وغاياته الكبرى. فحين تُحرّم الخلوة بالمرأة الأجنبية مثلاً فهذا فيه حماية لتشريع آخر معظم في الإسلام وهو تحريم الزنا، فمن يأتي ليحاكم الإسلام من خارجه أو بناءً على ثقافة دنيوية مادية فإنه يقيم محاكمة غير مستقيمة.
إغفال التناقضات بين ما يطرح وبين الواقع
فهم حاربوا الزواج الشرعي ممن سموهنّ بالقاصرات فإذا بالإحصاءات تثبت نسبة كبيرة للحمل غير الشرعي من بين هذه الفئة.
وحاربوا التعدد في الزواج مع أن التعدد لا إجبار فيه وإنما المرأة هي التي تختار أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة. وهم ينادون بالحرية في علاقات المرأة ثم يمنعونها من حريتها وحقها حين تختار الزواج من متزوج.
يعتبرون رؤيتهم أصلح للمرأة من نظام خالقها فيساوونها بالرجل مساواة مطلقة من كل وجه
في نظام الله سبحانه فإن التساوي بين الرجل والمرأة هو الأصل في الأحكام، لكنه ليس تساوياً مطلقاً في كل شيء، فهناك أحكام تخص الرجل وأحكام تخص المرأة، والعدل ليس في المساواة بل في إعطاء كل ذي حق حقه.
ينسبون إلى الإسلام العادات الخاطئة التي فيها ظلم للمرأة
حين يقوم ولي المرأة بإكراهها على الزواج ممن لا ترغب في الزواج منه، فإنهم ينسبون ذلك إلى الإسلام، والصواب أن هذه العادة في الإكراه هي مما جاء النهي عنه في الإسلام.
الموقف الصحيح تجاه الشبهات المثارة على الإسلام من باب المرأة ليس هو الدفاع فقط، بل الهجوم على الطرف الآخر المليء بالعورات والنقص والخلل والمشكلات والكوارث في باب المرأة
الحرية
أخطر شيء على الأفهام استعمال المصطلحات المحمّلة بالأعباء التاريخية والخلافات الفكرية دون بيان يجلي حدودها ويكشف عن معاني الصواب فيها.
العبارة الصحيحة لحدود الحرية هي: حريتي تنتهي عند حدود الله.
بسبب تأثير ثقافات غير إسلام فقد ظن البعض أن الحرية في الإسلام تعني ترك الكفر والباطل ينتشران دون منع أو مجاهدة.
الدين والعقل
بعض النقاط والقواعد المهمة في باب العقل والنقل:
- أبرز القرآن مكانة العقل واستعمل الأدلة العقلية واعتبرها ميداناً ذا أهمية في بناء الحجج
- الأدلة العقلية فيها القطعي المتفق عليه بين العقلاء وفيها الظني، والتسوية بينهما خطأ كبير
- أهمية التفريق بين محارات العقول وبين مُحالاتها (أي بين ما يُستبعد عقلاً وما يستحيل عقلاً)
- ما يقال فيه إنه يناقض العقل من صحيح نصوص الشريعة لا يكون كذلك عند التحقيق
- من أكبر عوامل الخطأ في ما يُدعى فيه التعارض مع العقل: اعتبار المرء فهمه الشخصي معياراً للعقل (فما قبله فهو العقل وما رفضه فهو نقيض العقل)
التشكيك في الإسلام بسبب تأخر المسلمين
بعض المغالطات والأسئلة المضادة:
- إشكالية التعميم، فيقوم المشككون بتعميم ما يُخطئ فيه فرد مسلم أو جماعة مسلمة ليلصقوا كل ذلك بالإسلام
- الحرب العالمية الثانية من أكبر جرائم القتل، كان أطرافها ملحدون وعلمانيون ونصارى، وهم نفس الاتجاهات التي يثير أتباعها التشكيك في الإسلام
- من أعظم ما هُضمت به حقوق الإنسان في العصر الحديث: الحملات الاستعمارية، لتكن النماذج الاستعمارية كافية في إسقاط أفكار التنوير والحريات الغربية
- العصمة من الخطأ لا تكون لأحد بعد الأنبياء، فأي عمل يقوم به فرد أو جماعة مسلمة فإنه قابل للأخذ أو الرد بحسب موافقته للكتاب والسنة وإجماع علماء المسلمين
- تفوق الغرب الحضاري المادي في هذا الزمن هو لأخذهم بسنن التفوق المادي، فالله تعالى يعطي كل إنسان على قدر ما بذل
- من الخطأ الكبير إرجاع معيار النجاح والتقدم إلى الناحية المادية فقط، فإن غاية ما تحققه: الرفاه للإنسان في هذه الدنيا، وهي ليست الغاية التي خلقه الله من أجلها. التقدم المادي دون تحقيق الغاية الكبرى لا قيمة له بل هو من عوامل تكبر الإنسان وجبروته وطغيانه
- ما يُنسب إلى المسلمين من تخلف وتأخر وتحارب واتقتتال له عدة أسباب منها: تسلط المنافقين على المسلمين، ومنها افتقاد كثير من المسلمين للإرادة الصادقة مع العمل الواعي للنهضة بالأمة
الإسلام لا يُحاكم إلى تصرفات الأفراد وإنما إلى نصوصه الأصلية وإلى تصرفات مجموع المنتمين إليه
خاتمة
أدلة اليقين وبراهين صحة الإسلام إنما يُراد بها إيصال المسلم إلى حالة الخضوع والإخبات والخشوع لله سبحانه وتعالى وليس للإيغال في الأدلة النظرية والاستكثار منها والمجادلة بها؛ فإن هذا الدين دين عمل.