ذهول الحقائق
والواقع المشاهد اليوم أن من أكثر من ينسج حول العيون حجابَ الغفلة التنافسُ الاجتماعي على الدنيا، فالمرء منذ أن يُستجر إلى “دوامة المباهاة” فإنه لا يكاد يفيق منها إلا على أعتاب القبر.
وقد نبه القرآن على هذا المعنى الواسع بأوجز عبارة وأبلغ صياغة، بالله عليك تأمل قول ربنا: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) - التكاثر
وإذا وفق الله الإنسان أن ينخلع من ملاحظة ما يكتسبه الخلق، ويتزاحمون عليه، والتحرق على المنافسة فيه، من مناصب، ومساكن، وسيارات، وعقارات، وأرصدة، ونحوها، وأقبل على ما هو أعظم من ذلك، وهو صناعة المستقبل الأبدي، وعمارة النفس بالله؛ فإنه سيكتشف للحياة معنى آخر، معنى أسمى من الحطام الصغير المؤقت..
تأمل -مثلاً- لما ذكر الله الصلاة، وهي رأس العبادات، ذكر أنه لا يطيقها إلا من يوقن بالموت ولقاء الله، قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) - البقرة
وقد أوضح كتاب الله أن اليقين بلقاء الله يدفع للمزيد من العمل، ويمنح المؤمن القوة والصبر، لا العكس كما يتوهم كثير من التغريبيين، أو من أصابتهم بعض شعب التغريب.. والحقيقة أن استحضار الحقائق الكبرى كالموت ولقاء الله، وتمزيق ضباب الذهول الذي يلفها؛ يثمر للمرء تصحيحاً هائلاً في مسيرته العلمية والدعوة والاجتماعية، ويغير جذرياً من نظرته لكثير من الأمور، فيصبح يقرأ الأشياء على ضوء سؤال: هل تقرب من الله وتنفع في اليوم الآخر أم لا؟
الإطراق الأخير
ومن أهم ما يصنعه استحضار لقاء الله في النفوس الزهد في الفضول، فضول النظر، وفضول السماع، وفضول الكلام، وفضول الخلطة، وفضول النوم، وفضول تصفح الإنترنت، ونحوها، فيصبح المرء لا ينفق نظره وسمعه ووقته إلا بحسب الحاجة فقط ومما يصنعه استحضار لقاء الله في النفوس الإقبال على القرآن، فيعيد المثقف المسلم صياغة شخصيته الفكرية على ضوء القرآن، لأن الله في هذا اللقاء العصيب القادم سيحاسبنا على ضوء هذا القرآن، كما قال تعالى: وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا (99) مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) - طه
من مقاصد القرآن تعميق استحضار اليوم الآخر في النفوس.
ومما يصنعه استحضار لقاء الله في النفوس إقبال المرء على نفع إخوانه المسلمين في دينهم ودنياهم. في دينهم مثل: تعليم الناس معاني كلام الله ورسوله، وفي دنياهم مثل: حاجات المسلمين الطبية والهندسية والسياسية والاقتصادية ونحوها.
وصيتي لنفسي وأخي القارئ أنه: كلما اصطدت نيتك وقد التفتت إلى المخلوقين فتذكر مباشرة قوله تعالى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) - النمل
فضل الصخور على القلوب
ولكن ما الذي يحدث إذا قسا القلب؟ ما الآثار التي تستتبع هجوم قسوة القلب؟ الحقيقة أن القلب إذا قسا خسر القدرة على الاتصال بالله سبحانه وتعالى، ومناجاته، والتشرف بالانطراح بين يديه. وهذه اللحظات التي يتقلب فيها القلب بين يدي الله هي من أرقى وأجمل وألذ لحظات الدنيا..
وقد يتصور كثير من الناس أن (قسوة القلب) مجرد سبب للمعصية، ويغفل الكثيرون عن أن (قسوة القلب) قد تكون نتيجة وعقوبة من الله على المعصية ذاتها، فيعاقب الله العبد إذا عصاه بأن يسلط عليه قسوة القلب، كما قال الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً (13) - المائدة
الحقيقة أن قسوة القلب هي نتيجة طبيعية للمعاصي والخطايا بشكل عام، ولكن ثمة عامل له خصوصية في إنتاج قسوة القلب وهو بكل اختصار: (بُعد العهد عن ذكر الله)..
عناصر الصورة التي رسمها القرآن عن قسوة القلب:
- أخبرنا الله أن بعض القلوب أقسى من الحجارة
- قسوة القلب عقوبة ونكال يرسله الله على من عصاه
- قسوة القلب تحرم المرء من التضرع لله
- القلوب القاسية هشة تنهار أمام الفتن
- قسوة القلب تنتج بسبب بعد العهد بالذكر
- ثم التهديد الإلهي المروع لمن قسى قلبه
الساعة الخامسة والسابعة صباحاً
الصلاة التي عظمها الله في كتابه، وذكرها في بضعة وتسعين موضعاً، تصبح شيئاً هامشياً ثانوياً في كثير من الخطابات النهضوية والإصلاحية، ألا لا أنجح الله نهضة وإصلاحاً تجعل الصلاة في ذيل الأولويات.
السجود بين السهام
ومن عجائب عبودية الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أنهم لم يكونوا يعتنون بإقامة الصلاة فقط، بل كانوا يلجؤون إلى الله ويتضرعون إليه أن يعينهم ويمدهم ويقويهم على الصلاة.
فقد روى البخاري عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله في ليلة، فقال لهم: “ألا تصلّون؟“
السهر المجهول
فأين ذهبت حقائق القرآن؟ كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) - الذاريات، أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا (9) - الزمر، تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ (16) - السجدة، وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) - الفرقان
لو كان النوم بالمعايير الغربية أنفع للإنسان لما ندبنا الله لضده في كتابه في مواضع كثيرة.
الراضون
وبكل صراحة فإن هاتين الظاهرتين (التسبيح) و (الرضا النفسي) لم تكونا مرتبطين في ذهني بصورة واضحة، ولكن مرت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سر هذا المعنى، وكيف يكون التسبيح سائر اليوم سبباً من أسباب الرضا النفسي، يقول الحق تبارك وتعالى: فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ (130) - طه
هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله
النفاق هو أثر لتصرفات معينة، كثيراً ما يكون صاحبها لم يتوقع نتائجها وليس النفاق “قراراً” يتخذه المرء.
نهانا القرآن في المنافقين عن:
- الانقسام في الموقف من المنافقين وأن نكون كلمة واحدة في مواجهتهم
- الميل لنصائح المنافقين والرضوخ لضغوطهم
- ارخاء الآذان لهم
أقوى الناس (التوكل)
ما معنى التوكل؟
باختصار: “اشتغال الجوارح بالأسباب واشتغال القلب بالله”
مع فعل الأسباب فإن القلب معلق بالله، ملتفت معرض عن التعلق بهذه الأسباب، لذلك ترى المتوكل يلهج بالذكر يرقب توفيق ربه ويتمتم بالدعاء.
لماذا نتوكل عل الله؟
- لأن التوكل معيار الإيمان
- لأن الله سبحانه هو أعظم وكيل
- لأن الله هو الذي يكفينا
- لأن التوكل عليه يحمينا من سلطة الشيطان
متى نتوكل بالضبط؟
- توكل عم لا ينفك المؤمن عنه، بحيث يكون قلبه معلقاً بالله بشكل مستمر
- توكل في الأمر الخاص المعين، وهذا يكون بعد العزم عليك مباشرة
كان أحمد بن حنبل يقول: "التوكل عمل القلب"
كأنك تراه (اليقين)
كلما تعاظم اليقين في قلب العبد، تنزلت عليه رحمات الله وانفتحت له رحمات القرآن.
ما هو اليقين؟
اليقين هو كمال جزم القلب بخبر الله ورسوله، وفراغه من التردد والارتياب والاحتمالات. اليقين هو أن يصبح “خبر” الله ورسوله كأنه “المعاينة”، فإذا صار الخبر كالمعاينة فقد كشفت سجف اليقين وارتشفت النبع.
لم نفعلها وحسبت علينا
كم من كلمة نطقنا بها في مجلس من المجالس وقلنا فيها على الله بغير علم، فتأثر بها أحد الجالسين، فتجرأ على المعصية، فصارت خطيئته في صحائفنا ونحن لا نعلم! وكلما كرر معصيته، تكررت في صحائفنا، يلاحقنا شؤم تلك الجرأة على الشريعة.