تقديم

حفظ السنة والعناية بها ثمرة لازمة لحفظ القرآن.

نبه النبي إلى أهمية النقل في حجة الوداع: “وليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلّغ أوعى من سامع”.

غياب المنهج وفقدان الضوابط الشرعية يؤديان إلى الفوضى الفكرية في الحياة العلمية والثقافية. يتمثل ذلك في:

  • ضياع المقاييس
  • كثرة التكرار والاجترار
  • التبعثر وضياع الرؤية الشاملة
  • عدم إبصار الأولويات
  • توالي النكسات الفكرية والسياسية
  • الاجتراء على دخول الساحة الفكرية ومحاولة المساهمة فيها ممن يحسن ذلك ومن لا يحسنه
  • الاجتراء على القول في الدين وتفسير مقولاته ونصوصه بلا فقه ولا علم

التوقف عند عمليات الفخر والاعتزاز بإنجاز السلف سوف يشكل عبئاً ومعوقاً ينقلب إلى ضده إذا لم يترجم إلى واقع يدفع الأمة إلى لحاق الخطوات السابقة.

مقدمة

هذا كتاب في الفكر يذكر الأسس المنهجية ويجيب على تساؤلات ويرد على شبهات ويعمّق ولاء المسلم وانتماءه.

منهجية قرآنية عامة

نظّم القرآن شؤون الحياة وفق أحكامه، وسار هذا التنظيم في مسارين متلازمين: العقيدة والشريعة.

حث القرآن على إقامة منهج التثبت والصدق وحذر من خبر الفاسق، وطالب بإقامة البينة على كل دعوى وطالب بالبرهان والدليل والشاهد.

مفهوم السنة والحديث

السنة في اللغة

السنة في اللغة من مادة (سَنَّ)، وهو جريان الشيء واطراده في سهولة. السنة تحمل معاني الجريان والاطراد والصقل والإحداد.

يستفاد من المعاني اللغوية أن السنة النبوية فيها معنى التكرار والاعتياد، وفيها معنى التقويم، وإمرار الشيء على الشيء من أجل إحداده وصقله.

سنة الله: أحكامه وأمره ونهيه.

السنة في الاصطلاح

السنة ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خُلُقية من مبدأ بعثته حتى وفاته.

وقد تأتي السنة قولاً أو فعلاً من الصحابة باعتبارهم شهود عصر النبوة، أو من التابعين باعتبارهم شهود عصر الصحابة.

الحديث: هو أعم من السنة من حيث المفهوم؛ هو يزيد على السنة في تناوله لكل ما صدر عن النبي ﷺ حتى لو كان منسوخاً ليس عليه العمل، ويتناول صفات النبي ﷺ الخِلْقية من حيث لونه وجسمه وشعره وطوله، وما يميل إليه من الطعام وما لا يرغب فيه. المقصود برواية هذه الأمور الوقوف على عصر النبوة ومعرفة النبي ﷺ حتى يصبح شخصه وعصره ومراحل سيرته على تمام الوضوح والجلاء.

أخبار الجاهلية المروية في كتب الحديث تدخل في الحديث ولا نطلق عليها مسمى السنة، وكذلك الأحاديث المنسوخة.

الحديث أعمّ من السنة، كل سنة حديث وليس كل حديث سنة.

السنة هي غاية الحديث وثمرته.

حصر أحاديث النبي

ابن الجوزي

اعلم أن حصر الأحاديث المروية عن رسول الله بعيد إمكانه، غير أن جماعة من أهل العلم بالغوا في تتبعها وحصروا ما أمكنهم، فأخبر كل منهم عن وجوه.

تفاوت الصحابة في الرواية

مرجع تفاوت الصحابة في الرواية إلى:

  • تقدم إسلام الصحابي أو تأخره
  • تقدم وفاة الصحابي أو تاخرها
    • جابر بن عبد الله تأخرت وفاته ٧٤ هجري
  • تفرغ الصحابي لمجالسة النبي ومتابعته
    • ممن تفرغ: أبو هريرة، عبد الله بن عمر، أنس بن مالك، عائشة
  • تفاوت الصحابة في قدرتهم على الحفظ والتذكر

نماذج من الصحابة المكثرين والمقلّين

من الصحابة من كانت روايتهم بالألوف: أبو هريرة، عبد الله بن عمر، أنس بن مالك، عائشة.

منهم أصحاب الألف: عبد الله بن عباس، جابر بن عبد الله، أبو سعيد الخدري.

وسائر الصحابة بين أصحاب المئات وأصحاب الآحاد

عدد الروايات يقل اذا عرفنا أن الطرق تتشعب

قد يروى الحديث الواحد من عدة طرق، فترجع الألوف إلى الألف والمئة إلى العشرات.

المكثرون

يعتبر أبو هريرة وعائشة من الصحابة المكثرين، توفرت فيهما أمور:

  • الحافظة القوية والذاكرة الممتازة
  • التفرغ للرواية
  • كلاهما عُمِّر بعد النبي، كلاهما توفيا سنة ٥٧ هجرية

المقلون

من المقلين أبو بكر وعثمان، لعل من مراجع إقلالهما:

  • اشتغالهما بالتجارة
  • تقدم موتهما

مسؤولية المنهج

كتابة الحديث بين النهي عنها والأمر بها

لم يتخذ النبي لنفسه كتبة يكتبون الحديث.

امتنع الصحابة عن كتابة الحديث لنهي النبي عن كتابة شيء غير القرآن، ثم جاء الأذن لعمرو بن العاص بالكتابة.

يمكن التوفيق بين النصين بأن يقال:

  • النهي من شواهد صدق النبي، إذ أنه ميز كتاب الله عن سنته
    • أصبح الوحي عند اليهود والنصارى: حركة التاريخ؛ كل ما حدث في التاريخ يضاف إلى الوحي
    • الإضافات الشاذة في القرآن هي إضافات تفسيرية كتبت إلى جانب الآيات ثم ظن الكاتب أنها من القرآن
    • قال الخطابي: قد قيل أنه إنما كان النهي أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القارئ ويشتبه على القارئ
  • كان الإذن منه ﷺ بالكتابة بعد السنة السابعة
  • كانت السنة في عهد النبي ﷺ نامية باعتبار توالي صدورها عن رسول الله ﷺ وقد تناول أحكاماً مرحلية يعتريها النسخ، فقد كان النهي عن كتابتها لو فوائده المنهجية حتى لا يأخذ المكتوب طابع النهائية.
    • كانت السياسة العامة النهي عن كتابة السنة، فيما عدا الإذن الخاص أو في مسائل محددة ذات أنصبة وفروض وأرقام يصعب ضبطها من غير كتاب. وهذا المحذور يزول بعد وفاة النبي ﷺ لأن السنة توقف صدور المزيد إليها إلى جانب ثبات أحكامها ووصولها إلى المرحلة النهائية.
  • لو قدر للسنة أن تجمع في حياة النبي ﷺ لما ظهرت هذه النزعة النقدية المنهجية التي مدت آثارها إلى مختلف جوانب المعرفة الإسلامية
  • كتاب السنة في عهد النبي ﷺ أمر يشغل المسلمين بنصيّة السنة أكثر مما يشغلهم بالصحبة والممارسة والاقتباس المباشر

المنهج في زمن الصحابة

كان الصحابي إذا حدّث فزع وخشي على نفسه من الزلل والخطأ، لشدة ورعه في الرواية عن رسول الله ﷺ.

روي عن عمرو بن ميمون قال: كنت آتي ابن مسعود كل خميس، فإذا قال: سمعت رسول الله ﷺ انتفخت أوداجه ثم قال: "أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريب ذلك، أو شبيه ذلك، أو كما قال".

الصحابة لم يعرفوا الكذب

ما ورد من ألفاظ التكذيب على ألسنة بعض الصحابة إنما هو تخطئة لبعضهم البعض وبيان ما وقع فيه بعضهم من وهم الكلام. وردت أحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى للكذب مثل قول النبي ﷺ: “كذب من قال ذلك” في الرد على من ظن أن عامر بن الأكوع قتل نفسه في غزوة خيبر جيث أصابه سيفه وهو يبارز مرحباً ملك اليهود.

لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه كذب.

أثر الفتن على الحديث في عصر الصحابة

يمكن أن نقارن الأثر الإيجابي لحدوث الفتن في عصر الصحابة بأثر اللحن على اللغة العربية.

الاهتمام بالإسناد في زمن الصحابة والتابعين

الحق الذي لا مراء فيه أن اشتراط السند والبحث عن الإسناد بدأ مع زمان الصحابة، ودليله سؤال عمر عنه أبا موسى الأشعري وغيره أن يأتوا بشاهد على صحة ما رووا من الأحاديث. وهذا أشد من طلب عموم السند؛ إذ هو طلب لإثبات نسبة الكلام إلى النبي ﷺ.

أقسام علم الحديث

ترد أقسام علم الحديث الكثيرة إلى قسمين كبيرين هما: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية.

علم الحديث رواية

موضوعه

علم موضوعه نقل الأحاديث والأخبار وتداولها سواء بين الأقران المتعاصرين أو بين الأجيال من السلف إلى الخلف. الهدف من هذا العلم حفظ الخبر ونقله

لا يقف علم الرواية عند صحيح الحديث بل قد يتناول في نطاقه كل قول وخبر، حتى ولو كان مصنوعاً مختلقاً لكي يتقيه الناس ويحذروه.

الرواية من الصدر أو من الكتاب

قد يحدث الراوي من صدره دونما كتاب يسجل فيه مروياته، وهذا أسلوب متميز من أساليب الرواية، لما في الحفظ المباشر من سرعة الاستحضار والاستغناء عن وسائل الكتاب وأمن التصحيف (تغيير في نقط الكلمة أو شكلها) والتحريف (إبدال حروف الكلمة بحروف أخرى).

كان النسّاخ وغير الحفاظ يقعون في التصحيف والتحريف فيغيرون المعاني. ألفت كتب جمعت من تصحيفات المحدثين الشيء الكثير مثل كتاب “تصحيفات المحدثين” لأبي الحسن العسكري.

بالرغم من قيمة الحفظ وأهميته إلا أن الحافظ قد يتعرض للنسيان فيقع في الوهم والخطأ، بينما يبقى الكتاب مؤدياً لمادته كما هي

قد يحدّث الراوي من كتابه الذي سجل فيه مروياته عن شيوخه.

كتب بعض الصحابة الحديث، مثل أنس بن مالك، وكتب جابر بن عبد الله المناسك في كتاب كان يُقرأ على الحاج. وكتب بعض التابعين عن الصحابة، مثل همام بن منبه الصنعاني كتب صحيفة عن أبي هريرة، وكتب كُريب بن أبي مسلم عن ابن عباس، وكتب أبو الزبير المكي عن جابر بن عبد الله.

ومع الوصول لأتباع التابعين وصلت النسخ المئات، لكن هذه النسخ كانت تحتوي على حديث صحابي أو تابعي واحد، ولم تكن شاملة لأحاديث عدد من الصحابة أو التابعين، ولم تكن مخصصة لصنف معين من أصناف الحديث ولا مرتبة على منهج معين.

التدوين

التدوين هو كتابة الحديث المبثوث في صدور العماء وكتبهم وجمعه في سجل واحد.

حاز عمر بن عبد العزيز فضل التدوين في بداية القرن الثاني. كان الدافع للتدوين أمران:

  • صيانة الحديث -بعد أن اتسعت روايته- من أن يختلط صحيحه بالموضوع
  • الخوف على الحديث من الضياع بموت علمائه ورواته

ثم ظهرت الرواية في صورة الأصناف في منتصف القرن الثاني، كان أول من صنّف وبوّب الربيع بن صبيح السعدي مولاهم، كان يغلب على كتب الرواية أنها:

  • معظمها متخصص في موضوع واحد كالتفسير أو الأدب أو الفتن أو المغازي أو الأحكام
  • كانت كتب آثار؛ أي تجمع أحاديث النبي ﷺ وأقوال الصحابة والتابعين
  • كان يغلب عليها طابع الجمع دون العناية بتمييز الصحيح من غيره (لم تكن هذه الكتب ذات مناهج في الاختيار والبحث)

فائدة

كلمة “مولاهم” تكثر في كتب التراجم والتاريخ وتقال لم ينتسب إلى قبيلة وليس منها وإنما ارتبط بها بالولاء

الجوامع والمسانيد والمعاجم

في القرن الثالث الهجري انقسمت كتب الرواية إلى:

1. الجوامع المبوبة

وهي كتب لم تقتصر على صنف واحد من أصناف الحديث بل جمعت أصنافاً كثيرة وهي مرتبة على أبواب حسب الموضوعات، أشهرها:

  • الجامع الصحيح المسند المختصر من أحاديث رسول الله ﷺ وسننه وأيامه، لمحمد بن إسماعيل البخاري
  • الجامع الصحيح، لمسلم بن الحجاج النيسابوري
  • الجامع، لمحمد بن عيسى الترمذي
  • السنن، سليمان بن الأشعث السجستاني، أبي داود
  • السنن، لأحمد بن شعيب النسائي
  • السنن، لمحمد بن ماجه القزويني
  • السنن، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي

2. المسانيد

هي كتب مرتبة على الصحابة بحيث تذكر روايات الصحابي الواحد كلها في مكان واحد، ثم ينتقل إلى صحابي آخر؛ دون مراعات للموضوعات الحديثية، مثل مسند الإمام أحمد.

3. المعاجم

هي الكتب التي يروي فيها المصنف أحاديث شيوخه، ويرتب أسماء الشيوخ على حروف المعجم، مثل معجم الطبراني الصغير.

الرواية باللفظ والرواية بالمعنى

تباينت وجهات العلماء حول رواية الحديث باللفظ أو بالمعنى، فمنهم من اشترط تحري لفظ المحدث وأن يؤدي الحديث كما سمعه بالمحافظة على حروفه وكلماته دون تغيير ولا إبدال. كان على هذا المنهج عبد الله بن عمر.

أما الرواية بالمعنى فقد ذهب إلى جواز هذا طائفة من الصحابة والتابعين وعلماء الحديث.

قال الخطيب البغدادي

ورواية حديث رسول الله ﷺ وحديث غيره على المعنى جائزة عندنا، إذا كان الراوي عالماً بمعنى الكلام وموضوعه، بصيراً بلغات العرب ووجوه خطابها، عارفاً بالفقه واختلاف الأحكام، مميزاً لما يحيل المعنى وما لا يحيله، وكان المعنى أيضاً ظاهراً معلوماً، وأما إذا كان غامضاً محتملاً فإنه لا يجوز رواية الحديث على المعنى، ويلزم إيراد اللفظ بعينه وسياقه على وجهه.

طرق تحمل الرواية وأدائها

1. السماع من الشيخ

بأن يحدث الشيخ بلفظه، سواء أأملى على تلاميذه أم تحدث من غير إملاء. وسواء كان الحديث من كتابه أم من حفظه. وهذا أرفع الأقسام عند جماهير المحديثين.

ويقول التلميذ إذا أراد الرواية عن شيخه: سمعت أو حدثنا أو حدثني. وبعض العلماء يقول: “أخبرنا” وإن كانت هذه اللفظة تستعمل في الغالب للنوع الثاني وهو العرض

2. العرض أو القراءة على الشيخ

صورتها أن يقرأ التلميذ حديث الشيخ على الشيخ نفسه، أو أن يقرأ آخر والتلميذ يسمع. سواء كانت القراءة من الكتاب أو من الحفظ، وسواء كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ ليه أو يمسك الأصل وينظر فيه.

فضل بعض العلماء العرض على السماع من لفظ الشيخ مثل أبو حنيفة ومالك. ذهب أكثر علماء الحجاز والكوفة إلى التسوية بين السماع والعرض، وهو مذهب البخاري، وذهب ابن الصلاح إلى ترجيح السماع.

يقول التلميذ إذا عرض: قرأت على فلان، أو قُرئ على فلان وأنا أسمع فأقرّ به.

فائدة

المشهور عند الإمام مسلم بن الحجاج وجمهور أهل المشرق إفراد لفظة “أخبرنا” للعرض ومنع كلمة “حدثنا”. ذهب معظم الحجازيين والكوفيين والزهري ومالك وسفيان بن عيينه ويحيى بن سعيد القطان إلى إطلاق: حدثنا، أخبرنا، أنبأنا. وهو مذهب الإمام البخاري.

3. المكاتبة

صورتها أن يكتب كتاباً ثم يرسله إلى تلميذه أو إلى من يسأله عن ذلك الأمر، ويتضمن الكتاب أحاديث معينة.

وقد ظهر هذا النوع من التحمل في وقت مبكر.

4. الإجازة

ظهر هذا الأسلوب مع تكاثر الكتب والنسخ، فأصبح الشيخ يدفع كتابه إلى تلميذه أو يأذن له برواية الكتاب إذا وجده وكان الكتاب صحيحاً مقابَلاً على الأصول.

الإجازة هي الإذن برواية حديث الشيخ أو كتابه دون قراءته عليه أو سماعه منه، فليس كل أحد قادراً على أخذ العلم من الكتب؛ بل لا بد أن يكون ماهراً عالماً حتى لا يقع في الوهم والخطأ.

كانت الإجازة فيما مضى مقترنة بالمناولة، ولم تكن على النحو الذي شاع في العصور المتأخرة حتى أصبح الشيخ يجيز رواية كتبه للمجاهيل.

الصيغة التي يعبر بها الراوي عن الإجازة: أنبأنا أو أخبرنا، وتختصر “أنا”، وكان الأوزاعي يخصص الإجازة بقوله “خبّرنا”، وقد يستخدم الراوي كلمة “عن”.

5. المناولة

أن يدفع الشيخ إلى تلميذه أو الراوي عنه كتابه وفي حديث أو أكثر.

فائدة

المناولة تختلف عن المكاتبة بما فيها من مشافهة بالإذن، وما فيها من دفع الكتاب مباشرة بدون واسطة، مما يجعل الرواية بها أوثق.

يعبر الراوي بالمناولة عن روايته بقوله: أنبأنا، أو أخبرنا، أو عن.

6. الوجادة

المقصود بها أن يعثر المحدث على كتاب ما.

يعبر الراوي بقوله: وجدت بخط فلان: حدثنا فلان، وقد يقول: قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه.

أما إن أراد استعمال “قال فلان” -وهذا يعني الجزم بنسبته القول إليه- فلا بد من مراعاة:

  • أن يثق بأن الخط هو خط فلان
  • ألا يتوهم من السامع بقول “قال فلان” أنه سماع مباشر

هذا النوع من أنواع الرواية لا تقوم به الحجة ولا يلزم إلا من وثق بأن هذا الخط هو خط فلان واطمأن إلى صحة نسبتها إليه.

7. الإعلام

بأن يُعلم الراوي طالب الحديث بأن هذا الكتاب أو هذا الحديث سمعه من فلان؛ دون أن يقول له: اروه عني.

القائلون بجواز التحمل بالإعلام ينظرون إلى أن العبرة في ثبوت الكتاب أو الحديث لراويه، وبالإعلام يثبت الكتاب أو الحديث إلى راويه. أما المانعون فنظروا إلى أنه لا يوجد إذن من الشيخ برواية كتابه.

علم الحديث دراية

استخدم العلماء كلمة “الدراسة” لتدل على مبلغ الجهد العلمي الذي يحتاج إليه المحدث للوصول إلى بغيته في إصدار الأحكام على الأحاديث التي قدمها له علم الرواية.

الرواية هي نقل للمعلومات يقدر عليه كل أحد، لكن الدراية تحتاج لفهم وتتبع وبحث ومعرفة بالتراجم والطبقات وأحوال الرواة وخبرة بالمتون والألفاظ وأنواع الترجيح، وإدراك عميق للعلل الخفية، ورؤية واسعة للحركة الحديثية عبر العصور وعلى اختلاف الأقطار.

الجرح والتعديل

يقسم الحديث إلى قسمين: خبر العامة وخبر الخاصة.

خبر العامة: هو المتواتر الذي بلغ رواته كثرة لا يحصرها حاصر، فهو ذائع منتشر معلوم بداهة؛ وذلك كآيات القرآن وكثير من الأحاديث العملية كعدد ركعات الصلاة وأنصبة الزكاة. وهذا النوع يطلق عليه اسم العلم الضروري أو القطعي.

خبر الخاصة: هو خبر تناقله الأفراد أو الآحاد ولم تنقله عامة الناس، وهذا يطلق عليه “خبر الآحاد”. خبر الخاصة لا يثبت إلا بالبرهان والدليل

شروط قبول الخبر:

أن يكون من حدّث به ثقة في دينه معروفاً بالصدق في حديثه. العدل: هو المسلم العاقل البالغ السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة. الصفات التي ينبغي توافرها في راوي الحديث:

  1. الإسلام
  2. العقل
  3. البلوغ، غير البالغ معفى من المسؤولية الأخروية وبعض أنواع المسؤولية الدنيوية
  4. السلامة من أسباب الفسق، الفسق: هو الخروج عن أحكام الله تعالى بارتكاب الكبائر أو الإصرار على الصغائر
  5. السلامة من خوارم المروءة، خوارم المروءة هي القوادح التي تشين الشخص وتكون سبباً في احتقاره وعدم اعتباره - وغالباً ما تكون خروجاً على عرف عام أو عادة أقرها المجتمع. وقد تتبدل الخوارم مع تبدل الأعراف وتغيرها. مثل: كثرة المزاح والضحك.

أن يكون المحدث ضابطاً لحديثه متقناً له متثبتاً في روايته. شروط الضبط:

  1. أن يكون حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدث من كتابه. فلا تُروى الأحاديث بالمعنى إلا إن كان بصيراً باللغة عارفاً بما يحيل اللفظ عن معناه. وأما ضبط الكتاب فجيب أن يعرض الكتاب على الشيخ بقراءته عليه أو مقابلته على أصل مقروء على الشيخ.

كيف تعرف العدالة؟

أن يشتهر حال الراوي بالعدالة والتقوى بين الناس، وتعرف بتزكية النقّاد العارفين فإذا شهد للراوي عدد من العلماء أنه عدل انتقل من دائرة الجهالة إلى دائرة العدالة (أو من دائرة الجرح إلى دائرة التعديل)، شريطة ألا يكون قد جرّحه آخرون جرحاً مبيَّن السبب.

لا يتحقق التعديل إلا ببيان اسم المعدِّل كي يكون تعديله معروفاً عند العلماء. (هذا الإشهار والإعلان يفتح الباب لمن كان عنده غير ذلك أن يقوله).

لا تثبت العدالة بحكم البراءة الأصلية (أي أن يقال أن الراوي مسلم والأصل في المسلم العدالة)؛ لأن الرواية تثبت حكماً شرعياً وتنشئ حقوقاً وواجبات وتحلل وتحرم.

كيف يعرف الضابط؟

لا يقدر على تمييز الضابط إلا كبار النقاد من المحدثين.

مراتب ألفاظ الجرح والتعديل من الأعلى للأدنى (عن ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل) (الثقة الحجة، مرتبة من يكتب حديثه وينظر فيه وهي على درجات، المتروك والكذاب):

  • ثقة أو متقن ثبت: هو ممن يحتج بحديثه
  • صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به: هو ممكن يكتب حديثه وينظر فيه
  • شيخ: يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية
  • صالح الحديث: يكتب حديثه للاعتبار
  • ليّن الحديث: يكتب حديثه وينظر فيه اعتباراً
  • ليس بقوي: بمنزلة الأول في كتبة حديثه إلا أنه دون
  • ضعيف الحديث: هو دون الثاني، لا يطرح حديثه بل يعتبر
  • متروك الحديث أو ذاهب الحديث أو كذاب: هو ساقط الحديث لا يكتب حديثه

ابن حجر جعل مراتب الجرح والتعديل 12 مرتبة (في كتاب تهذيب التهذيب):

  1. الصحابة
  2. من أُكِّد مدحه إما بأفعل (كأوثق الناس) أو بتكرير الصفة لفظاً (كثقة ثقة) أو معنى (كثقة حافظ)
  3. من أُفرد بصفة (كثقة أو متقن أو ثبت أو عدل)
  4. من قصر عن درجة الثالثة قليلاً (الإشارة إليه بصدوق لا بأس به، أو ليس به بأس)
  5. من قصر عن الرابعة قليلاً (الإشارة إليه بصدوقٍ سيء الحفظ، أو صدوق يَهِمُ أو له أوهام أو يخطئ أو تغير بآخَرَةٍ، ويلحق بذلك من رُمي بنوع من البدعة كالتشيع والقدر والإرجاء والتهجم مع بيان الداعية من غيره).
  6. من ليس له الحديث إلا القليل ولم يثبت فيه ما يترك حديث من أجله (الإشارة إليه بلفظ مقبول حيث يتابع، وإلا فليِّن الحديث)
  7. من روى عنه أكثر من واحد ولم يُوثَّق (الإشارة إليه بلفظ مستور أو مجهول الحال)
  8. من لو يوجد فيه توثيق معتبر، ووجد فيه إطلاق الضعف ولو لم يُفسر (الإشارة إليه بلفظ ضعيف)
  9. من لو يروِ عنه غير واحد ولم يوثق (الإشارة إليه بلفظ مجهول)
  10. من لو يوثق البتة وضُعّف مع ذلك بقادح (الإشارة إليه بمتروك أو متروك الحديث أو واهي الحديث أو ساقط)
  11. من اتهم بالكذب
  12. من أطلق عليه اسم الكذب والوضع

مراتب ابن حجر هي مثل مراتب أبي حاتم كما يلي:

  • الثقة الحجة (1, 2, 3)
  • من يُكتب حديثه ويُنظر فيه (4, 5, 6, 7)
  • الواهي والمتروك (8, 9, 10, 11, 12)

علم العلل

علم الجرح والتعديل يحكم على الراوي أنه ثقة. علم العلل يتناول روايات الراوي رواية رواية ويبحث عن كيفيات الرواية وأحوالها وموافقاتها ومخالفاتها.

الخبر المعلول أو المُعَلّ: حديث ظاهر السلامة اطُّلع فيه -بعد التفتيش- على قادح.

الحديث قد يستوفي جميع العناصر الشكلية للصحة فيتوهم الناظر إليه أنه صحيح، لكن إذا عرضه على المختص الخبير يرده ولا يقبله لوجود علة فيه؛ فقد يكون الراوي حدث بالحديث في بلد غير بلده والمعروف أنه إذا خرج من بلده وقع في الخطأ لمفارقته كتبه وبعده عنها، وقد يكون الراوي حدث بالحديث في شيخوخته ومع بداية هرمه حديث تبدأ الذاكرة بالتخليط، وقد يروي بالمعنى فيختصر الحديث فيغير حقائقه وهو لا يشعر.

من أشهر علماء العلل ورواده: شعبة بن الحجاج، يحيى القطان، عبد الرحمن بن مهدي، علي بن المديني (شيخ البخاري)، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.

علم العلل نوع من النقد الموضوعي العميق الذي يحتاج إلى معرفة واسعة ويتناول أنواعاً من الفقه بعضها تاريخي وبعضها اجتماعي وبعضها نفسي وبعضها عقيدي وبعضها فقهي.

من أشهر الكتب في علل الحديث: “العلل الواردة في الأحاديث النبوية” لأبي الحسن الدارقطني، و “العلل” لعبد الرحمن بن أبي حاتم و”شرح علل الترمذي” لابن رجب الحنبلي.

نقد المتن

شبهة: زعم المستشرقون والمتأثرون بهم أن علماء الحديث برعوا في نقد السند ومعرفة الرجال ولم يهتموا بنقد المتن، وصدّق بعض المفكرين المسلمين هذه المقولة فشنَّ حملة على متون الأحاديث التي لم يقبلها عقله وكأنه يقوم بواجب لم يستطع علماؤنا السابقون أن يؤدوه.

الرد:

  1. نقد المتن أمر مقرر في قواعد الحديث، وقد بدأ قبل الجرح والتعديل وظهور الإسناد، ونستدل على هذا بالمناقشات الطويلة التي كانت تقوم بين الصحابة. فعائشة اعترضت على عدد من الروايات لأن هذه الروايات لم تنسجم مع المبادئ العامة والبدهيات الشرعية والعقلية. (صنف الزركشي كتاباً في استدراكات عائشة على الصحابة)
  2. نشأة المذاهب الفقهية والاختلافات بين المذاهب مبني في معظمه على نقد المتن
  3. نشأة المذاهب السياسية والعقيدية الكلامية مبني في معظمه على الاختلاف في فهم النصوص
  4. نشأ علم كامل هو علم اختلاف الحديث (أو مختلف الحديث، أو مشكل الحديث) وموضوعه البحث في المتون، من كتبه “اختلاف الحديث” للإمام الشافعي، “تهذيب الآثار” للطبري، “مختلف الحديث” لابن قتيبة
  5. أولى علم العلل متن الحديث عناية خاصة؛ حتى كان موضوع علم العلل الحديث الذي ظاهر إسناده الصحة، وكان العلماء يضعفون الحديث -أحياناً- والمتن صحيح جيد يقولون: منكر المتن، شاذ، مضطرب، غريب (غرابة المتن غير غرابة الإسناد)، فيه ظلمة، يقشعر منه الجلد، لا يطمئن له القلب وغير ذلك من العبارات
  6. الأحاديث الموضوعة يستدل على وضعها من المتن قبل الاستدلال من السند، لأن أكثر الكذابين كانوا يسرقون الأسانيد (يركبون الإسناد الجيد على المتن الموضوع ، أو يلقّنون الثقة في مراحل اختلاطه فيروي الموضوعات بأسانيده الصحيحة)
  7. السند هو إحدى الدلالات على الصحة وليس هو الدليل الوحيد عليها
  8. النقد عند علماء الحديث يمكن أن نطلق عليه: نقد المروي، بغض النظر عن كون الموضوع الواقع عليه النقد سنداً أو متناً، والسند والمتن عند الناقد جملة واحدة قد يدخل الخطأ والوهم على أي جزء منها
  9. نظرة في الكتب الستة تعطينا الدليل الأكيد على العناية بالمتون ونقدها، فالبخاري يختار الرواية من بين مئات الروايات

طبقات الرواة

  1. الطبقة الأولى (أعلاها وأوثقها): مثل مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة (روى عنهم البخاري)
  2. الطبقة الثانية: مثل عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، الليث بن سعد، النعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر (روى عنهم مسلم)
  3. الطبقة الثالثة: مثل سفيان بن حسين السلمي، جعفر بن برقان، عبد الله بن عمر بن حفص العمري، وزمعة بن صالح المكي (روى عنهم مسلم)
  4. الطبقة الرابعة: مثل إسحاق بن يحيى الكلبي، معاوية بن يحيى الصدفي، إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المدني، إبراهيم بن يزيد المكي، والمثنى بن الصباح (روى عنهم أبو داود )
  5. الطبقة الخامسة: مثل بحر بن كثير السقا، الحكم بن عبد الله الأيلي، عبد القدوس بن حبيب الدمشقي، ومحمد بن سعيد المصلوب.

مناهج المحدثين في الكتب المشهورة

غلب على حركة التصنيف في أوائل القرن الثاني الهجري التصنيف الموضوعي بحيث تُفرد أحاديث موضوع واحد في مصنف: كالسيرة، أو الأحكام، أو الأدب، أو الزهد، أو الفتن.

كان المصنف يثبت في مصنفه الأحاديث المتصفة المرفوعة للنبي ﷺ وغير المتصلة والآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين. ولم تكن هذه المصنفات تعرف المناهج المنضبطة بقواعد وشروط.

بدأ التصنيف المنهجي بكتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، ثم توالى بعده فكانت الكتب الستة ومسند الإمام أحمد ومعاجم الطبراني وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان.

الموطأ للإمام مالك بن أنس

الإمام مالك: ولد 93 هـ درس على محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت 124) وربيعة بن أبي عبد الرحمن (ت 136) ولازم نافع مولى ابن عمر (ت 120) وأكثر عنه.

يقول الشافعي (تلميذ مالك)

ما في الأرض كتاب من العلم أكثر صواباً من موطأ مالك بن أنس

منهجية الموطأ:

  1. التزم بذكر الثقات من الرجال، حتى أصبح ذكر الرجل في الموطأ حكماً عليه بالتوثيق. قال ابن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا عبد الكريم أبا أمية.
  2. التزم بذكر الحديث الصحيح وفق مذهبه واجتهاده
    1. في الكتاب الأحاديث المتصلة التي حملت أعلى شروط الصحة (وهي 600 حديث)
    2. في الكتاب أحاديث لم يتصل سندها بل هي بلاغات أو مرسلات (222 حديث) كان الإمام مالك يقول فيها: بلغني أن ابن عمر وأو أن أبا هريرة قال. ويغفل ذكر السند إلى من ذكر بلاغه عنه أو كان يذكر السند حتى إذا وصل إلى التابعي رفع الحديث للنبي ﷺ -وهو الحديث المرسل-
    3. احتوى الموطأ طائفة من الآثار الموقوفة على الصحابة والتابعين وأتباع التابعين (الموقوفات: 613 حديث، أقوال التابعين: 185 حديث)
    4. الموطأ يمزج بين الحديث وفقه الحديث، فالإمام مالك يستنبط ويفرّع وينقل القارئ إلى بيئة السنة والحديث
    5. الموطأ أول كتاب منهجي، فلا غرابة أن نجد هذا الثناء الكبير على هذا المصنف

مذهب مالك تصحيح البلاغات والمرسلات لقربها من عصر النبوة ولتميز رواتها بالأمانة والعدالة والثقة، لكن العلماء لم يقبلوا هذه البلاغات والمرسلات على إطلاقها والتمسوا لها طرقاً متصلة

كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري

الإمام البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (194 - 256 هـ)، أول سماعه للحديث سنة 205، حفظ تصانيف ابن المبارك وهو صبي، ونشأ يتيماً، وظهر نبوغه المبكر.

مكث في تأليف كتاب الجامع الصحيح 16 سنة، وخرّجه من بين 600,000 حديث.

منهجية الجامع الصحيح:

  1. دخل البخاري لأحاديث الجامع بعد رحلة طويلة مع كتاب “التاريخ”، فترجم فيه لما يقارب 14000 من رواة الحديث. ومن خلال هذه التراجم وقف البخاري على مسارات الرواية وطرقها والرجال الذي اختار الرواية لهم يغلب عليهم أنهم من الطبقة الأولى من الرواة.
  2. جعل البخاري كتابه جامعاً منوعاً في موضوعاته، ضمن 91 كتاباً بدأ ببدء الوحي ثم الإيمان والعلم والوضوء
  3. خصص الإمام البخاري كتابه للحديث الصحيح المجرد
  4. اختار البخاري أحاديث كتابه (4000 غير المكررة) من بين 600,000 حديث. أحاديث البخاري إن سلمت من التجزئة والتفريق لا تزيد على 2602 حديث، فهو يفرّق الحديث الواحد على عدة أبواب ويذكر في كل باب ما يناسبه من الحديث
  5. يذكر البخاري الحديث الواحد بأسانيد متعدد، فينوع في ذكر شيوخه ويتخلص من إشكالات كبيان الأسماء والكنى التي يلتبس أمرها
  6. يمتاز كتاب الجامع الصحيح بطريقة عجيبة في تنظيم الموضوع الواحد والتقديم لكل حديث أو باب بمقدمة تشرحه وتوضحه بإيجاز -هذه المقدمات يطلق عليها “التراجم” وقد اهتم العلماء بتراجم البخاري-

كتاب الجامع للإمام مسلم

الإمام مسلم (204 - 261 هـ): أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد القشيري النيسابوري. أول سماعه 218 هـ من يحيى بن يحيى التميمي.

فائدة

مقدمة الإمام مسلم من أوائل المقدمات العلمية المنهجية. وهذا الميزة لمسلم ينفرد بها دون البخاري.

منهج الإمام مسلم في كتابه الجامع:

الإمام مسلم تلميذ الإمام البخاري وتخرج على يديه، وكتابه مكمل لكتاب البخاري.

  1. بين الإمام مسلم طريقته في كتابه؛ ذكر في مقدمته سبب تأليف الكتاب وما أخذ على نفسه من الشروط فيه
    • قسم الأخبار إلى ثلاثة أقسام:
      • الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى
      • ثم أخبار ما يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف الأول (لكنهم من الثقات)
      • ترك من هم متهمون عند أهل الحديث أو عند أكثرهم
    • بين وجوب الرواية عن الثقات وترك الرواية عن الضعفاء والكذابين
    • ناقش صحة الاحتجاج بالحديث المروي بصيغة (عن) وحمل هذه الصيغة على الاتصال إذا برئ صاحبها من التدليس - وبين منهجه في قبولها
  2. نهج الإمام مسلم منهج الأبواب الحديثية، يجمع الروايات ذات الموضوع الواحد في مكان واحد
  3. يغلب على راويات مسلم أنها نسخ خطية عرضها على شيوخه، من هذا الجانب كان الأداء عند مسلم أدق، ويميز الإمام مسلم بين “حدثنا” (صيغة تكشف عن السماع عن الشيخ) و “أخبرنا” (صيغة تكشف عن القراءة على الشيخ)
  4. الإمام مسلم لا يتعامل مع المعلومة الحديثية منفصلة عن سياقها ولحاقها وظروف النص وبيئته إنما يحاول من خلال كثرة الروايات أن يقدم لنا القصة الحديثية عبر الأسانيد والمتون للوصول لنوع من التكامل
  5. لم يترجم لأبواب كتابه واكتفى بعنوان الكتاب فقط
  6. جعل كتابه جامعاً لموضوعات شتى، احتوى على الفقه والأحكام والزهد والسير والمغازي
  7. لم يستوعب كل الأحاديث الصحيحة إنما ذكر طائفة من الصحيح وترك الكثير منه سيراً على منهجه في الاختصار
  8. الإمام مسلم يختار رجال أسانيده من رجال الصحيح أهل الطبقة الثانية والثالثة فصاعداً وهم المشهورون بالعدالة والضبط، إلا أن ملازمتهم لشيوخهم أقل من رجال الطبقة الأولى أصحاب الصحبة الطويلة والممارسة والملازمة.

اعتراض ومناقشته

أنكر أبو زرعة على صحيح مسلم روايته عن “أسباط بن نصر” و “قطن بن نُسير” و “أحمد بن عيسى المصري”، وقال أن هذا سبيل لأهل البدع أن يقولوا احتج بهؤلاء الإمام مسلم في صحيحه. قال مسلم: إنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما وقع إليّ بارتفاع ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول فأقتصر على ذلك، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات.

فائدة

على المحدث أن يميز الخطأ القليل النادر من أحاديث الثقات من صحيح حديثهم، وأن يميز الصواب القليل النادر من حديث الضعفاء من ضعيف حديثهم.

للإمام مسلم كتاب “التمييز” ذكر فيه بعض أوهام الثقات الأعلام وأخطائهم.

رد ابن الصلاح على اعتراض من عاب مسلماً بروايته عن جماعة من الضعفاء والمتوسطين في الطبقة الثانية بأمور:

  1. الإمام مسلم قد يوثّق من هو ضعيف عند غيره، فالجرح قد يكون مؤثراً بسبب معقول وقد يكون غير مؤثر وسبب الجرح لا يكفي لإثبات الجرح - بعض من ضُعف عند قوم كان بسبب غير وجيه، ومن ذلك كثرة الاتهام بالبدعة حيث كان يرمى به بالشبهة والظن
  2. أن يكون ذلك واقعاً في المتابعات والشواهد لا في الأصول؛ كأن يذكر الحديث أولاً بإسناد نظيف رجاله ثقات ويجعله أصلاً ثم يتبعه بإسناد أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة
  3. أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث عليه (أي كان عند الرواية ضابطاً ثم ساء حاله واختلط عقله)

الإمام أبو داود ومنهجه

الإمام أبو داود (202 - 275 هـ) سليمان بن الأشعث بن عمرو الأزدي السجستاني. من أشهر شيوخه: قتيبة بن سعيد وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين.

قال إبراهيم الحربي

أُلين لأبي داود الحديث كما أُلين لداود عليه السلام الحديد.

خصص أبو داود كتابه “السنن” لأحاديث الأحكام وتوسع في جمعها وذكرها وتبويبها.

احتوى الكتاب على 4800 حديث متصلة و 600 حديث مرسل، عددها 5274 حديثاً.

يرتبط هذا العدد الكبير من أحاديث الأحكام بمنهج الإمام أبي داود في فتح الباب لأحاديث يُحتج بها ويشتد حالها وأمرها بما يقارنها ويعضدها من روايات أخرى، ولو تركت وحدها لردت لضعف رواتها.

قبل أبي داود كان تقسيم الحديث إلى صحيح وضعيف، أما عند أبي داود والترمذي قسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف.

الصحيح والحسن في دائرة الاحتجاج والصلوح للأحكام، فكان تعبير أبي داود “صالح” وتعبير الترمذي “حسن”.

الضعيف في السنن:

احتوى السنن على أحاديث ضعيفة، لكن فقط إن كان فيه وهن غير شديد ولا يبينه بالكلام عليه. وأبو داود يذكر المرسل في كتابه (يقول في ذلك: وأما المراسل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثورة ومالك بن أنس والأوزاعي؛ حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن مسندٌ غير المراسل، ولم يوجد المسند، فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة).

احتجاجه بالمرسل على هذا النحو لا يُوافق عليه لأن فقدان المتصل لا يبرر قبول المرسل.

مذهب الشافعي في قبول المرسل بشروط منها:

  • أن يكون المرسل من كبار التابعين
  • وأن يكون إذا سمى الحلقة المفقودة من السند لا يسمي إلا ثقة أو أن يأتي بمثله قولٌ لأهل العلم

دائرة أبي داود في الرجال:

التبويب والتفريع:

امتاز كتاب أبي داود بفن التفريع والتبويب والترجمة، وساق دقائق الأحكام، ففي كتاب الأدب عنده مئة وثمانون باباً منها: باب في الأرجوحة، باب في اللعب بالحمام، باب في تغيير الأسماء، باب في الألقاب، باب في المرأة تُكنّى.

الزيادات اللفظية:

لا يكتفي أبو داود بذكر لفظ رواية من الروايات، إنما ييسر لنا الوقوف على الزيادات في الروايات ويكشف لنا عن الفروق بينهما.

الإمام النسائي ومنهجه

الإمام النسائي (215-303 هـ) هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (قرية نسا، قرب بلخ - أفغانستان)، طلب العلم في صغره، أقام عند قتيبة بن سعيد بن جميل البغلاني سنة وأكثر عنه.

قال عنه الذهبي

ولم يكن أحد في رأس الثلاثمئة أحفظ من النسائي، هو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم ومن أبي داود ومن أبي عيسى، وهو جارٍ في مضمار البخاري وأبي زُرعة.

صنف النسائي كتباً أهمها “السنن الكبرى”، وهو أصل كتابه “المجتبى” المعروف بـ “سنن النسائي”.

منهجه في كتاب السنن:

صنف الإمام النسائي كتابه السنن الكبرى، ثم اجتبى منه أو اجتبى غيره منه كتاب “المجتبى من السنن الكبرى”.

وهو كتاب متخصص في أحاديث الأحكام وليس كتاباً جامعاً - يشبه كتاب أبي داود. تضمن المجتبى 51 باباً.

تكرار الحديث: قد يكرر النسائي الحديث مرات كثيرة، وتأتي كل رواية لتوافق عنوان الباب - مثل ما عند البخاري ومسلم - مع اختلاف أن النسائي يكرر الحديث كله بينما يكتفي البخاري بإيراد بعضه، ولا يكرر النسائي الحديث بالإسناد نفسه.

منهج النسائي منهج معلل:

لا يكتفي النسائي في كثير من الأحيان بذكر الحديث بل يذكر ما بين الروايات من اختلاف ويوازن ويقارن، ويذكر العلل، والصحيح والأصح، والضعيف والأضعف.

النسائي لا يكتفي بتسجيل النتائج كما يفعل البخاري ومسلم (هما يذكران الحصيلة الصحيحة من الحديث ولا يذكران الحوار حول التصحيح والتضعيف).

رجال السنن وأسانيده:

الإمام النسائي ناقد متميز وإمام في الجرح والتعديل والعلل، جاءت أسانيد كتابه نقية إلى حد كبير، وكان يكشف عن أحال الرواة -ولا سيما الفروقات الدقيقة بينهم-.

قسم محمد بن طاهر بن القيسراني (صاحب كتاب شروط الأئمة الستة) أحاديث المجتبى إلى ثلاثة أقسام:

  • المخرج في الصحيحين؛ وهو أكثر كتابه
  • الصحيح على شرطهما
  • أحاديثٌ أبان عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة

الإمام الترمذي ومنهجه

الترمذي (209-279 هـ) أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة السُلمي الترمذي. كان إسحاق بن راهويه من أوائل شيوخه. اشترك مع البخاري ومسلم في أكثر شيوخهما، روى عن قتيبة بن سعيد وأبي كريب وعلي بن حُجْر، وتتلمذ للبخاري.

أشهر مصنفاته: كتاب “الجامع” المعروف بسنن الترمذي، وكتاب “العلل الكبير” و “شمائل النبي ﷺ”.

منهجه في الجامع:

تميز كتاب الترمذي بكتاب “العلل الصغير” في آخره، وهو أشبه ما يكون بالمقدمة الكاشفة عن المنهج. شرح ابن رجب الحنبلي هذا الجزء.

سلك الترمذي غير منهج البخاري، يتلخص منهج الترمذي بأنه معلل: توجه الترمذي إلى فئة من الرجال ليسوا بالمتروكين ولا الكذابين ولا فاحشي الخطأ، لكنهم من أهل الصدق والستر وتعاطي العلم، وبعضهم لا يعتمد عليه لو انفرد في حديث، لكنهم يصلحون للاحتجاج إذا وجدوا من يؤيدهم. بهذا يفتح الترمذي الباب لتدارك ما لم يتداركه غيره.

لاحظ الترمذي أن بين الصحيح والضعيف رتبة يتداخل فيها الصحيح والضعيف، وأصحابها ممن قل ضبطهم واضطرب حديثهم، فكانوا موضع العناية والدراسة، وكما أنه من الخطأ أن يقبل حديثهم فإنه من الخطأ أن يرد حديثهم. فعدّل الترمذي حال هؤلاء بقرائن وشواهد ومتابعات، فنُقلوا من دائرة الضعيف إلى دائرة الاحتجاج.

ظهر اصطلاح “الحسن” عند الترمذي ليكون مقابلاً لغير المحتج به. فالحديث إن كان في أعلى درجات الاحتجاج فهو حسن صحيح، وإن كان في أدنى درجات الاحتجاج فهو حسن.

الحسن عند الترمذي: كل حديث لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولامن كان مغفلاً يخطئ الكثير، ولا يكون شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك.

تميز جامع الترمذي بذكر مذاهب علماء الأمصار.

منزلة الجامع عند العلماء: بعض العلماء وجهوا نقداً شديداً لكتاب الترمذي، خلاصته أنه متساهل في التصحيح والتحسين والأخذ عن الضعفاء والمتروكين.

الإمام ابن ماجه ومنهجه

ابن ماجه (209-273 هـ) أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني.

يعرف كتاب ابن ماجه ب “السنن”، الكتاب أقرب للجامع أكثر مما ينطبق عليه اسم السنن، جمع بين الأحكام والأدب والفتن والزهد.

مكانة سنن ابن ماجه بين الكتب الستة: ألحق (محمد بن طاهر المقدسي - صاحب كتاب شروط الأئمة الستة) كتاب ابن ماجه بالكتب الخمسة، فأصبحت تعرف بالكتب الستة.

مرجع تقديم كتاب ابن ماجة على كتاب الموطأ للإمام مالك إلى أن زوائد ابن ماجه على الكتب الخمسة كثيرة بينما نجد أحاديث الموطأ موجودة في الكتب الخمسة.

منهج الإمام ابن ماجه في السنن:

صنف ابن ماجه كتابه على الأبواب (1500 باب). ترجم ابن ماجه لأبواب كتابه بعناوين تجمع الدقة والإيجاز والفقه. وإذا كرر الحديث فإنما يكرره في الباب نفسه لبيان اختلاف في السند أو المتن ولتتقوى الأحاديث في الموضوع الواحد.

منهج ابن ماجه منصب على الدرجات الدنيا من الأسانيد التي يغلب عليها أنها تكتب ولا يحتج بها، وتصلح للاعتبار والتعضيد.