مدخل إلى السنن الإلهية

ما هي الملامح العامة للزمن الحالي الذي تعيشه الأمة؟

  • من أشد الأزمنة على الأمة الإسلامي
  • تقاسمت فيه الأدواء وتداعت عليها الأمم
  • اشتد الظلم والقهر والاستضعاف
  • كثرت التحديات الفكرية والعقدية
  • انتشرت مشاريع هدم الثوابت الإسلامية

اتسعت على المصلحين خارطة الثغور واختل ميزان البوصلة الإصلاحية، فلم يعد يدري كثير منهم بماذا يبدؤون ولا أي ثغر من الثغور يقدمون.

المرء حين لا يرى إلا مشكلات زمانه فقد يصاب باليأس والإحباط، بينما إذا لاحظ سنة الله في الأمم والمجتمعات فأبصر عظيم الابتلاءات التي قدرها سبحانه على النبياء والرسل ثم رأى نصر الله لهم بعد طول البلاء ينتقل من ضيق الأزمة إلى سعة الحكمة.

الوعي بسنن الله في الأمم والأقوام ينقل المؤمن من ضيق الأزمة والزمن إلى سعة الحكمة والسنن.

كثير ممن يتناول باب السنن الإلهية يغفل عن الضبط المنهجي لفقه السنن وتنزيلها على الواقع، وهذا الخلل يؤدي إلى التفاؤل المفرط أو اليأس والإحباط.

كثير من أزمات العاملين للإسلام في هذا الزمن إنما هي بسبب غياب المنهج أو اضطراب البوصلة.

صناعة وصياغة المنهج الإصلاحي

الجانب النظري: تأصيل وتحرير المنهج الإصلاحي الجانب العملي: تربية المصلحين وبنائهم على ضوء هذا المنهج

المقصود بالسنن الإلهية

السنة الإلهية هي العادة التي تتضمن أن يفعل الله سبحانه في الأمر الثاني نظير ما فعله في الأمر الأول.

السنن الإلهية في التراث الإسلامي

المراجع المفيدة في فهم السنن الإلهية:

  • القرآن
  • السنة
  • التفسير
    • أفضلها تفسير الطبري لاعتنائه بمبدأ الاعتبار في قصص الأنبياء وربطها مباشرة بالنبي ﷺ وقومه والسياق الذي نزلت فيه
    • المحرر الوجيز لابن عطية
    • تفسير ابن كثير
    • تفسير البقاعي
    • التحرير والتنوير لابن عاشور
    • تفسير السعدي
  • شروح السنة النبوية
  • كتب السيرة النبوية
    • سيرة ابن هشام
  • كتاب التاريخ والتراجم
    • مقدمة ابن خلدون
    • كتب علي الصلابي
  • كتب المعاصرين
    • كتاب سنن الله في الأمم - حسن الحميد
  • التطبيقات المتفرقة من العلماء للسنن الإلهية وتنزيلها على واقعهم

قواعد منهجية عامة للتعامل مع السنن الإلهية

القاعدة الأولى: موضوع السنن الإلهية من محكمات الدين ومركزياته وأصوله

باب السنن الإلهية من أعظم الأبواب الموصلة إلى العلم به سبحانه، لأنه باب متعلق بأفعال الله وأقداره وحكمته، وهو باب متصل كذلك بأسمائه وصفاته التي تجري أقداره على مقتضاها.

لا يليق بالمصلح ولا ينبغي له أن يُعرض عن باب السنن الإلهية وهو بهذا القدر من الأهمية والإحكام.

القاعدة الثانية: أن أساليب القرآن في عرض السنن كثيرة ومتنوعة، وأن تحقيق الفهم للسنن لا يكون إلا بعد الاستقراء الواسع لموارد ذكرها في القرآن

مثل {سُنة الله } و { قد خلت من قبلكم سنن }، ومنها ما يأتي بصيغة “وما كان ربك”.

القاعدة الثالثة: السنن الإلهية أنواع متعددة، ولكل نوع منها خصائص، ولا بد من فهم تنوعها وخصائصها

تتنوع السنن وتتعدد متعلقاتها فمنها ما هو متعلق بالكون وتسخيره، ومنها ما هو متعلق بالحياة الإنسانية ونظامها (سنن متعلقة بالأمم والجماعات وسنن متعلقة بالأفراد).

القاعدة الرابعة: السنن الإلهية تتداخل في المحل الواحد، والفقيه هو الذي يميز السنن ويدرك التداخل بينها

قد تجتمع سنة النصر وسنة المداولة في سياق واحد، كما حصل يوم أحد الذي ابتدأ بالنصر الموعود، ثم لما تغير الواقع وتخلّف شرط النصر تغير الحال وأدال الله المشركين على المسلمين.

قد وُجد المؤمنون فلماذا لا ينزل النصر، وقد وُجد الظالمون فلماذا لا يهلكهم الله؟

كما أن الله أخبر أنه ينصر المؤمنين فقد أخبر أنه يبتليهم، وكلاهما من سنته في المؤمنين ولكل منهما سياقه وشروطه وزمنه، وكما أخبر أنه يهلك الظالمين فقد أخبر أنه يملي لهم ويستدرجهم كذلك.

القاعدة الخامسة: أن لتحقق السنن الإلهية شروطاً ولرفعها موانع

من صور الخطأ في التعامل مع السنن الإلهية: التعامل مع إطلاق الآيات دون نظر للشروط المتعلقة بها.

القاعدة السادسة: أن المقياس الزمني في تحقق السنن هو المقياس الإلهي لا المقياس البشري المحدود

السنن الإلهية المتعلقة بالأمم والجماعات تتطلب سياقاً زمنياً واسعاً لتحققها، وقد لا يُدركها كل الأفراد الذين عاشوا آلام تلك الحقبة وآمالها.

حصل من البشر استبطاء زمن النصر، أما في ميزان الله فهو قريب.

هذه القاعدة تفيد الناظر في السنن الإلهية بألا يستعجل تحققها.

القاعدة السابعة: أهمية الوعي بالواقع لفهم السنن الإلهية

إذا لم يكن المتفقه على علم بالواقع الذي يريد تنزيل السنن عليه فقد ينزل عليه سنة منفكّة عنه، وهذا يوقع في الإشكال. على المرء أن يحرص على الفقه بواقع أعداء المسلمين وكيدهم وواقع المسلمين وأحوالهم ثم يعتبر ذلك بميزان السنن.

القاعدة الثامنة: أهمية الجمع بين الأصل النظري للسنة الإلهية وبين تمثلاتها العملية في الأمم والأقوام

النصر على درجات متفاوتة، منه نصر الغلبة في القتال، ومنه نصر الإنجاء من الأعداء دون غلبة قتال.

ابن عاشور في قوله سبحانه {فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}

في الآية دلالة على أهمية علم التاريخ لأن فيه فائدة السير في الأرض، وهي معرفة أخبار الأوائل وأسباب صلاح الأمم وفسادها.

السنة الأولى: سنة إيجاد أعداء الحق والتدافع بين الحق والباطل والمداولة بين الناس

بيان معنى هذا السنن

  • سنة إيجاد أعداء الحق: هي السنة الإلهية القاضية بأن الله سبحانه يجعل لأنبيائه وأتباعهم أعداءً يقاتلونهم ويعادونهم ويكيدون لهم.
  • سنة التدافع: هي السنة الإلهية القاضية بأن يكفّ عادية المفسدين بالمصلحين ويدفع الناس بعضهم ببعض.
  • سنة التداول: هي السنة الإلهية القاضية بأن الله تعالى يجعل الأيام دولاً بين أهل الحق وأهل الباطل، ثم تكون العاقبة لأهل الحق.

ضوابط منهجية لفهم سنة التدافع وسنة المداولة

  • إيجاد أعداء الحق وتحقق التدافع والصراع بين الحق والباطل لا ينحصر في الأمر المشاهد المحسوس بين المسلمين وأعدائهم بل هو واسع يشمل شيئاً من عالم الغيب، فيدخل فيه الصراع بين الإنس والشياطين ويشمل دفع الملائكة للمجرمين
  • سنة التدافع وإن كانت في الأصل متعلقة بالمؤمنين والمصلحين إلا أنها لا تختص بهم، بل هي نظام رباني لحفظ الأرض
  • أهم صورة جاءت في القرآن لتحقق سنة دفع الباطل بالحق هي الجهاد في سبيل الله

أدلة هذه السنة من الوحي وبيان معنى هذه الأدلة وتحرير كلام المفسرين حولها

ذُكر معنى التدافع والصراع بين الحق والباطل كثيراً في كتاب الله، وبين الله سبحانه أنه جعل لنا الشيطان عدواً وأمرنا أن نتخذه عدواً، وبين لنا أنه جعل لكل نبي عدواً من المجرمين وأنه سبحانه ابتلى أنبياءه ورسله بالأعداء المكذبين المتسلطين، وهكذا على مر التاريخ: حيث وُجد الحق وحملته وُجد الباطل وحملته.

الله تعالى لا يترك أهل الباطل يبغون في الأرض ويفسدونها دون أن يردعهم ويكف شرهم وعاديتهم، وقد يكون ذلك بتسليط المؤمنين عليهم، فمتى وجدت كلمة أهل الباطل واحدة مجتمعة على الإفساد في الأرض والطغيان فيها فاعلم أن الله تعالى بالمرصاد وأن دفعهم قد اقترب.

علاقة هذه السنة بغيرها من السنن

سنة التدافع بين الحق والباطل مرتبطة بـ :

  • سنة الابتلاء للمؤمنين
  • سنة المداولة
  • سنة التمييز بين الحق والباطل

الحِكم والمقاصد الربانية من هذه السنن

الباحث في السنن الإلهية لا يتم فقهه إلا بفهم مقاصدها، والفقه بمقاصد السنن يعين على الإصابة عن تنزيل السنن على الواقع.

من الحكم والمعاني في هذه السنة:

  1. إظهار معاني العبودية الخاصة لأولياء الله
  2. دفع الفساد عن الأرض وحفظ نظامها
  3. تحقيق سنة الابتلاء للمؤمنين
  4. تحقيق سنة التمييز بين الحق والباطل والخبيث والطيب
  5. اتخاذ الله شهداء من المؤمنين
  6. تحقيق سنة نصر الله لأوليائه وإهلاكه لأعدائه
  7. الإيمان بالحق لذاته لا لغلبة أهله
  8. زيادة الحجة على الكافرين وظهور البينة والفرقان
  9. استحقاق المجرمين للعقاب والعذاب ببطرهم وكبرهم واستعلائهم على المؤمنين

الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة

  1. الوعي بأن هذه سنة ماضية لن تزول ولو أظهر أهل الباطل تخليهم عنها
  2. الاستعداد النفسي لمثل هذا الصراع وعدم التفاجؤ به
  3. الصبر
  4. حسن الظن بالله. الذي يعني سنة التداول لا يسيء الظن بربه حين يديل أهل الكفر على أهل الإسلام في بعض الجولات
  5. التفاؤل وتجنب اليأس والإحباط لمعرفة أن أهل الإفساد في الأرض لا يدوم لهم حال

تنزيل هذه السنة على الواقع

زعمت الأمم الكافرة في واقعنا اليوم تخليها عن العداء الناشئ عن اختلاف الأديان لأجل الدين وزعمت أنها تحافظ على مواثيق حقوق الإنسان، وصدّق هذه الدعوى كثير من المسلمين.

حيث وُجدت الحق الخاص ووُجد حملته الصادقون الداعون إليه فإن المصير الحتمي هو: وجود من يحاربه من أهل الباطل.

السنة الثانية: سنة الابتلاء

بيان معنى السنة

المقصود أن الله يُديم امتحان عباده المؤمنين وابتلائهم بأنواع المصاعب حتى يعلم الصادق في إيمانه من الكاذب وحتى يميز الخبيث من الطيب.

ضوابط منهجية لفهم سنة التدافع وسنة المداولة

  1. هذه السنة ماضية على الأفراد والجماعات المؤمنة، لها في سياقها الجماعي صوراً وحكماً أكثر من صورها وحكمها في السياق الفردي
  2. هذه السنة أصلٌ للسنن الإلهية المتعلقة بالمؤمنين، فبقية السنن تتفرع عنها أو تترتب عليها
  3. هذه السنة ملازمة للمؤمنين وإن كانت تتنوع صورها ودرجاتها؛ فهي لا تتعلق بمرحلة الاستضعاف وحدها، فهناك ابتلاء في مرحلة الاستضعاف التام، وفي مرحلة الاستضعاف الجزئي، وابتلاءات في التدافع مع أهل الباطل، وابتلاءات في ثنايا النصر المرحلي، وكذلك بعد النصر التام والتمكين
  4. لا تنحصر سنة الابتلاء في الشدائد من البأساء والضراء وزلزلة الأعداء، بل قد يأتي الابتلاء على المؤمنين بالخير والحسنات والسرّاء
  5. الابتلاء قد يكون بالأقدار المؤلمة وقد يكون بالتكليف بالأمور المكروهة كالقتال.
  6. الأدلة الواردة في سنة الابتلاء على نوعين (الأدلة التي فيها بيان كون الابتلاء سنة ماضية، والأدلة المتضمنة لكثير من الأمثلة على ابتلاء المؤمنين مما يدل على أن ذلك سنة ماضية)

أدلة هذه السنة من الوحي وبيان معنى هذه الأدلة وتحرير كلام المفسرين حولها

من قام بدين الله وشرعه لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله ولم يبالِ بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها.

علاقة هذه السنة بغيرها من السنن

هذه السنة مرتبطة بمنظومة السنن من مختلف جهاتها:

  • هي أثر من أهم آثار سنة الإملاء والإمهال للمجرمين
  • متصلة بسنة الإهلاك للظالمين؛ من أهم موجبات إهلاك الظالمين: التسلط على المؤمنين واستضعافهم
  • متعلقة بسنة التدافع
  • متعلقة بسنة المداولة التي لا بد فيها من الآلام والشدائد على المؤمنين
  • هي الطريقة التي يحقق الله بها سنة التمييز بين الخبيث والطيب والمؤمن والمنافق داخل الصف المسلم
  • متعلقة بسنة الاستبدال من جهة كون الاستبدال يأتي بعد الابتلاء بالتكليف بالجهاد، وقد تأتي في إبدال المرتدين بالمؤمنين.
  • سنة الابتلاء شرط لتحقيق سنة النصر التي لا تأتي إلا بعد ابتلاء

الحِكم والمقاصد الربانية من هذه السنن

الحكم والمقاصد من سنة الابتلاء متعلقة بأساس إيجاد البشر على هذه الأرض { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً }.

من الحكم الخاصة المتعلقة بابتلاء المؤمنين:

  1. اختبار صدق المؤمن في ادعائه الإيمان
  2. ظهور معاني الإيمان وعلاماته ومقتضياته من الثبات والصبر والجهاد
  3. أن يتخذ الله من المؤمنين الشهداء
  4. تمييز الصف الإسلامي وإظهار المنافقين
  5. تهيئة المؤمنين للنصر بعد التمحيص والتنقية
  6. إيجاد أسباب استحقاق الكفار لمزيد من العذاب

الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة

  1. التهيؤ والاستعداد النفسي للابتلاءات والشدائد وعدم التفاجؤ بها
  2. إحسان الظن بالله عند نزول البلاء واشتداده
  3. الصبر والثبات وعدم الانكسار والهزيمة
  4. تحقيق العبودية لله تعالى على جميع الأحوال وعدم الركون إلى الدنيا والافتتان بها عند النصر

تنزيل هذه السنة على الواقع

من المهم أن نعي أن كون الأمة تعيش في مرحلة ابتلاء عامة يستلزم أنواعاً لا تحصى من المشكلات الفرعية والجزئية طالما أن عنوان المرحلة العام هو الاستضعاف والبلاء؛ فانعكاسات الاستضعاف لا تنحصر في القتل والتعذيب والتهجير، بل تظهر كذلك في العبادة والتعليم والدعوة والإصلاح.

السنة الثالثة: سنة النصر والاستخلاف والتمكين للمؤمنين

سنة النصر: تأييد الله تعالى لرسله وأتباعهم من القائمين بدينهم على عدوهم، بغلبة السيف أو علو الكلمة وظهور الحجة.

سنة الاستخلاف والتمكين: توريث الله الأرض لعباده المؤمنين واستخلافهم فيها بعد إهلاك أعدائه وتمكين دينه في الأرض.

ضوابط منهجية لفهم سنة التدافع وسنة المداولة

  1. هذه السنة دائمة لا تنخرم
  2. ذكر الله شروطاً للنصر تجب مراعاتها وللهزيمة أسباباً يجب اجتنابها، بقدر تحقيق الشروط واجتناب الأسباب يتحقق النصر بإذن الله، أهم الشروط:
    1. الصبر (الثبات عند القتال وعدم الفرار، الثبات على الدين)
    2. الإيمان
    3. العمل الصالح
    4. طاعة الله ورسوله
    5. الإحسان
    6. اجتماع الكلمة
    7. اتخاذ الأسباب
  3. إذا وُجدت الهزيمة لأهل الإيمان العاملين لرفع راية الدين فهي على إحدى هذه الوجوه
    1. أن تكون بسبب تحقق سنن أخرى كسنة المداولة أو سنة الابتلاء أو التمييز بين الخبيث والطيب، لكن العاقبة لا بد أن تكون لأهل الحق
    2. أن تكون بسبب إخلال المؤمنين بشرط من شروط النصر
    3. أن لا تكون هزيمة أصلاً إنما تكون ضمن نطاق سنة النصر التي لا تنحصر في صورة واحدة
  4. صور النصر وأنواعه مختلفة، منها:
    1. الغلبة على الأعداء والظهور عليهم، وهذا من أبرز صور النصر وأهمها
    2. الظهور بالحجة والبيان وإظهار كلمة الحق وإبطال كلمة الباطل
    3. التخليص من الأعداء والإنجاء منهم
    4. منع الأعداء من تحقيق مرادهم من المسلمين وإبطال مكرهم
    5. صدق الوعد الحق بعد تربص الأعداء وعلو الكلمة وإظهارها
    6. الفتح الدعوي ودخول الناس في الدين ولو كان مصحوباً بموت الداعية أو مقتله
    7. إهلاك أعدائهم في حياتهم أو الانتقام منهم بعد مماتهم

ابن تيمية

القتل إن كان على وجهٍ فيه عزة الدين وأهله كان هذا من كمال النصر، فإن الموت لا بد منه، فإذا مات ميتةً يكون بها سعيداً في الآخرة فهذا غاية النصر.

سنة النصر لا بد أن تكون مسبوقة بسنة الابتلاء، فمحلّها في خارطة السنن متأخر، فلا بد فيها من الزمن.

هناك نصر جزئي مرحلي (مثل نصر يوم بدر الذي تبعته هزائم ومصائب مثل بئر معونة ويوم أحد) ونصر كلي تام (مثل فتح مكة، كان نصر فتح وتمكين).

الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها ليس معه ضمان الاستمرار إلا بقدر الثبات على شروط التمكين.

أدلة هذه السنة من الوحي وبيان معنى هذه الأدلة وتحرير كلام المفسرين حولها

الأدلة على النصر

{ إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا }

أين النصرة وبعض أنبياءه قُتل وبعضهم ناله من قومه ما ناله؟

  • النصر إما بإعلائهم على من كذب والإظفار بهم حتى يقهروهم غلبة
  • أو المقصود أن النصر لمحمد والذين آمنوا معه في الحياة الدنيا

قال البقاعي: في الحياة الدنيا، بإلزامهم طريقالهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة، وإن غلبوا في بعض الأحيان فإن العاقبة تكون لهم، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتص منهم ولو بعد حين، وأقل ذلك ألا يتمكن أعداؤهم من كل ما يريدون منهم.

{ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي }

قال ابن الجوزي: من بُعث من الرسل بالحرب فعاقبة الأمر له، ومن لم يبعث بالحرب فهو غالب بالحجة.

{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين - إنهم لهم المنصورون }

قال ابن الجوزي: أي تقدم وعدنا للمرسلين بنصرهم، والكلمة قوله: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي }.

وعن الحسن البصري في قوله تعالى { وإن جندنا لهم الغالبون }: لم يُقتل من الرسال أصحاب الشرائع أحد قط.

{ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم }

معنى نصر الله:

  • نصر دين الله وكتاب الله والسعي لتكون كلمته هي العليا وأن تقام حدوده في الأرض وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه ويحكم في عباده بما أنزل على رسوله
  • نصر نبي الله
  • نصر العبد ربه: جهاده في سبيله لتكون كلمته العليا، ونصر الله عبده: معونته إياه
{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذي خلوا من قبلكم … }

من الآيات المهمة في بيان شيء من متعلقات لنصر، وهو كونه لا يأتي إلا بعد الابتلاءات، وكونه لا يأتي إلا بعد زمن.

الأدلة على سنة الاستخلاف والتمكين والوراثة

{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }

هذه الآية المركزية في سنة الاستخلاف.

ليستخلفنهم في الأرض: ليورثنهم الله أرض المشركين فيجعلهم ملوكها وساستها.

ليمكنن لهم دينهم: يظهره على كل دين - انتشار الدين في القبائل والأمم وكثرة متبعيه.

علاقة هذه السنة بغيرها من السنن

السنن المرتبطة بالنصر:

  • سنة الابتلاء، فالنصر لا يأتي إلا بعده
  • سنة التدافع بين الحق والباطل
  • سنة المداولة
  • سنة التمييز بين الخبيث والطيب وتمحيص المؤمنين

الحِكم والمقاصد الربانية من هذه السنن

  1. إعلاء كلمة الله، فالله ينصر أولياءه ليُعلي كلمته
  2. دخول الناس في دين الله، لأن الناس يتبعون القوي في الغالب.
  3. إكرام الله أولياءه واستجابته لدعائهم وشفاء صدورهم
  4. كبت أعداء الله الكفار وقطع دابرهم والانتقام منهم وتعذيبهم
  5. التوبة على الكفار إذا رأوا عز الإسلام وأصابهم المسلمون بالأسر والتنكيل
  6. إقامة الأئمة الهادين للناس تمام الهداية، القائمين بدين الله الحاكمين به

الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة

  1. التوكل على الله تعالى والتعلق به وحده، من أهم قواعد سنة النصر ومحكماتها: أن النصر من عند الله وحده، فلا يأتي إلا بالتوكل على الله والاعتماد عليه سبحانه
  2. توطين النفس على الصبر، لأنه شرط أساسي للنصر
  3. تحقيق الطاعة لله ورسوله، واجتناب المعصية خاصة في سياق الجهاد، سنة النصر مرتبطة بالاستجابة والانقياد
  4. ثبات القلب وعدم الرهبة من الأعداء للإيمان التام بسنة النصر عليهم وأنها متعلقة بقوة الله لا بقوة البشر
  5. السعي لإقامة دين الله والإخلاص لله في القتال والجهاد

تنزيل هذه السنة على الواقع

على المقاومة الفلسطينية التمييز بين الخبيث والطيب، بألا تخلص صفوف أهل السنة بالمجرمين من الرافضة؛ فلا يصفوهم بجنود الإسلام ولا شهداء القدس وحماة المقدسات ونحو ذلك. وهذا لا يعني عدم الاستفادة من دعمهم - كما يستفاد من دعم غيرهم- فالاشكال في تزكيتهم وغسل جرائمهم وإدخالهم في مصاف حماة الدين والمقدسات.

السنة الرابعة: سنة الإهلاك والأخذ والعقاب على الذنوب

هي السنة الإلهية القاضية بأخذ الظالمين وإهلاكهم في الدنيا قبل الآخرة بأنواع العذاب الدنيوي.

ضوابط منهجية لفهم سنة الإهلاك والأخذ والعقاب على الذنوب

  1. الأصل في المعاقبة على الذنوب والمجازاة عليها أن يكون في الآخرة لا في الدنيا، لكن الله جعل نصيباً حتمياً من هذه العقوبات في الدنيا تذكرة وعبرة وتطهيراً للأرض من الفساد.
  2. العقاب الدنيوي يتحقق في الأمم والأقوام والمجتمعات أكثر من تحققه في الأفراد
  3. لهذه السنة صور متنوعة في طبيعة الأخذ والإهلاك، ليس مقتضاها بالضرورة الاستئصال التام لمن وقعت عليهم هذه السنة. من أبرز صور العقوبة الجزئية أن تكون العقوبة لعلى أيدي المؤمنين.
  4. هذه السنة ليست متعلقة بمطلق الذنوب، فليس كل ذنب يشيع في مجتمع ما يوجد الإهلاك العام.
  5. وجود بعض المصلحين في المجتمع لا يدفع عن المجتمع ولا عن الصالحين العذاب حتى يكون لهم دور في رفع المنكر أو النهي عنه
  6. وجود هذه الصفات السيئة مُقابل بصفات وأعمال أخرى جعلها الله موانع من نزول العذاب إما للمجتمع كاملاً أو لمن يقوم بها. فإذا وجدت هذه الصفات في عامة المجتمع وكان المجرمون قلة أو علا صوت الإصلاح وتحققت المدافعة للباطل بالحق؛ فإن الله ينجي هذا المجتمع
  7. يذكر الله في القرآن أنه لم يظلم المعاقَبين سبحانه، إنما هم الذين ظلموا أنفسهم، فلا يغير الله حال أمة من النعمة إلى العقوبة والنقمة إلا إذا غيروا ما بأنفسهم.
  8. الله سبحانه يخفف من العقوبات القدرية أو يزيلها إذا عُمل بالعقوبات الشرعية التي أمر بها سبحانه
  9. موجب ذكر القصص المتعلقة بإهلاك الأمم هو الاعتبار والخوف أن يصيب المتأخرين ما أصاب المتقدمين
  10. قوله سبحانه {وما كان الله ليعذبهم وأنتم فيهم} لا ينفي العذاب مطلقاً عن هذه الأمة ولا يعني رفع العذاب عن مستحقيه

من أهم المعايير في فهم سبب هذه السنة هو فقه الأوصاف التي يذكرها الله بعد أحوال الأمم التي أهلكها.

من صفات الإهلاك:

  • التكذيب
  • الإجرام
  • الإفساد
  • الظلم

من الصفات المانعة من نزول العذاب:

  • إنكار المنكر
  • النهي عن السوء وعن الفساد في الأرض
  • الأخذ على يد الظالم

موجبات الإهلاك والمجازاة في الدنيا بالذنوب للأمم والمجتمعات

1. الظلم، ويشمل الكفر والشرك وأنواع الذنوب الموجبة للهلاك

هي من أكثر الصفات التي ذكرها الله مقرونة بالإهلاك. الظلم ليس منحصراً في معنى التسلط على الناس في أموالهم وحقوقهم بل هي اسم عام يشمل: المعصية، الكفر، الشرك، الإجرام، الطغيان، التكذيب، الجحود، ظلم النفس وظلم الغير.

الشرك أو الكفر لا يستقل وحده ليكون سبباً في الإهلاك حتى يضاف إليه: التكذيب والاستكبار والجحود بعد رؤية الآيات وطول الإنذار، أو البغي والطغيان والإفساد في الأرض بالتظالم في الحقوق أو التسلط على الناس، أو إسراف وفجوز وفسق ومكر وعتو.

قال ﷺ: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته” ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة } - البخاري 4686

2. الإفساد في الأرض

من معاني الإفساد في الأرض:

  1. الظلم والقهر للمستضعفين والتسلط عليهم بالقتل والتحكم بغير حق
  2. الجحود والتكذيب والاستكبار بعد رؤية الآيات وعدم الاعتبار بها
  3. الفكر بالله والإسراف في المعاصي والذنوب
  4. الإخلال بميزان العدل بين الناس
  5. الطغيان وتجاوز الحد والعتوّ والاستكبار في الأرض
  6. العمل بالفواحش واستحلالها ونشرها وخاصة عمل قوم لوط
  7. الصد عن سبيل الله ومحاربة المصلحين
  8. قطع مع أمر الله بوصله وتضييع ما أمر الله بحفظه

أكثر ما جاء في القرآن من إطلاق وصف الإفساد والمفسدين على قوم معينين هو على فرعون وقومه.

قال ابن عاشور عن مراتب الفساد:

  • إفسادهم أنفسهم بالإصرار على الأدواء القلبية
  • إفسادهم الناس ببث تلك الصفات والدعوة إليها
  • إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع، كإلقاء النميمة والعداوة وتسعير الفتن

صفة الفساد في الأرض ترتبط بسنة التدافع.

3. أعمال المترفين من الفسق والتكذيب ومحاربة الحق

ترتبط سنة الإهلاك للأمم بالترف والمترفين (مع ارتباط الترف بالأسباب الأخرى الموجبة للهلاك). المترفون في العادة هم السادة وأصحاب النفوذ وهم على مر التاريخ المكذبون بالرسل.

الإسراء - 16

وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا

اختلف المفسرون في دلالة قوله سبحانه “أمرنا” هل المقصود به الأمر أم التكثير أم التأمير؟ وهل المقصود الأمر الشرعي أم القدري؟

  • إن كان المقصود الأمر الشرعي فمعنى الآية: أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها
  • إن كان المقصود الأمر القدري فالمراد أن الله سلط مترفيها قدراً ليفسقوا فيها.
  • تفسيرها بالتأمير أو بالتكثير: هذان القولان لا يتسقان مع قول من قال إن الأمر في الآية قدري. لأن التأمير والتكثير أمران محلهما القدر لا الشرع.
  • تفسيرها بالأمر (سواء كان الأمر شرعياً أو قدرياً): فقد ذهب إليه بعض المتقدمين ورجحه الإمام الطبري.

البقاعي: أمرنا مترفيها (الذين لهم الأمر والنهي) بالفسق، أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما يعملون من المعاصي.

4. الإجرام

قال ابن الجوزي: المراد بالمجرمين قولان: المشركون والمكذبون.

قال البقاعي: القاطعين لما ينبغي وصله والواصلين لما ينبغي قطعه.

علاقة هذه السنة بغيرها من السنن

سنة الإنذار والبلاغ

هي السنة القاضية بأن الله لا يهلك قرية أو أمة ولو كانت ظالمة مشركة حتى ينذرها، فلا يهلكها وهي غافلة بعيدة عن سماع الحق.

سنة الإمهال والاستدراج

هي السنة القاضية بأن الله يمهل الظالمين ويملي لهم ولا يعاجللهم بالعقوبة ولو أجرموا وأفسدوا، حتى إذا أخذهم لم يفلتهم.

سنة عدم قبول التوبة عند نزول العذاب الدنيوي على الكفار

من الإهلاك ما هو استئصالي عام ومنه ما هو جزئي بالأمراض والأسقام وتسليط المؤمنين ونحو ذلك. سنة عدم قبول التوبة متعلقة بالعذاب الاستئصالي لا الجزئي الذي يرجع بسببه من ينجو.

الحِكم والمقاصد الربانية من هذه السنن

  1. دفع الفساد عن الأرض
  2. انتصار الله لأوليائه وانتقامه من أعداءه على مقتضى أسماءه وصفاته
    • سنن الله تعالى متعلقة في الأصل بأسمائه وصفاته وحكمته وقدرته. من المهم في السنن أن تُفقه الأسماء الحسنى التي يذكرها الله تعالى في سياق بيان سنته ي نصر المؤمنين وإهلاك المجرمين.
  3. كبت المكذبين المستكبرين وإذلالهم وكسر شوكتهم وإذاقتهم العذاب في الدنيا قبل الآخرة
  4. شفاء صدور المؤمنين
  5. توريث الصالحين أرض المفسدين الظالمين
  6. تذكير الظالمين وتنبيههم
  7. إيجاد الآيات للاعتبار

الثمرات المترتبة على الوعي بهذه السنة

  1. الصبر على الأذى
  2. عدم استعجال الثمرة، ولزوم الصبر الطويل حتى يتحقق النصر
  3. إحسان الظن بالله
  4. التفاؤل والأمل وعدم اليأس والقنوط
  5. الالتفات إلى العمل الواجب وعدم القعود

تنزيل هذه السنة على الواقع

من أعظم ما يُستجلب به النصر للأمة اليوم: العمل على صناعة المصلحين، ثم اشتغال هؤلاء المصلحين في مدافعة الباطل ومقاومته، والله يتولى نصرهم ويعلي كلمتهم ويكبت أعدائهم.

دفع الفساد المستحكم اليوم قد يكون -بتدبير الله تعالى- على ثلاثة طرق:

  1. دفعه بالمؤمنين الصادقين المصلحين، بالجهاد في سبيل الله، ومقاومة الباطل على مختلف المستويات العلمية والفكرية والإعلامية.
  2. دفعه بتسليط الظالمين على بعض
  3. دفعه بالابتلاءات والأزمات والكوارث التي يسلطها الله على بعض الأمم المفسدة فيشغلها بنفسها ويكف عاديتها

الآيات التي ذكرها الله في سورة الإسراء عن إفساد بني إسرائيل في الأرض مرتين تحققت قبل بعثة النبي ﷺ كما هو قول عامة المفسرين، وليس هناك حاجة إلى التكلف بإدخال إفسادهم الحاصل الآن في إحدى مرتي الإفساد، لأن الآية فيها معنى الاستمرار المتعلق بالسنن الربانية الثابتة { وإن عدتم عدنا }.