مقدمة
ارتبط في أذهان الكثير أن العقيدة علم جامد نظري صعب مليء بأسماء الفرق والطوائف والخلافات، بينما كانت العقيدة التي تلقاها الصحابة عن النبي ﷺ سهلة واضحة متينة، عذبة شفافة، وهي على سهولتها ووضوحها: فاعلة حية شمولية تملأ الروح وتغذيها وتخاطب العقل وتنميه وتؤثر على السلوك والعمل.
تشتد الحاجة اليوم إلى تثبيت العقيدة الإسلامية الصافية في نفوس الجيل الصاعد لواقع التحديات الهائلة التي تهدد إيمانهم وأفكارهم.
إذا اعتنينا ببناء العلم الصحيح المبرهن فهذا يزاحم التصورات والأفكار الفاسدة ولو لم يتم الرد على جميع تفاصيلها، إذا ثبتت عظم الإسلام ومتانة عقيدته لدى الشاب فيصعب أن تؤثر عليه شبهة جزئية أو تقضي على إيمانه فكرة باطلة أو نزوة عابرة.
القسم الأول: مقدمات عقدية منهجية مهمة
أهمية العقيدة وقيمتها وميزات عقيدتنا الإسلامية
معنى العقيدة
تعريف العقيدة الإسلامية
العقيدة الإسلامية: الإيمان الجازم المؤكد بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وبكل ما أخبر الله ورسوله عنه: من تحليل الحلال وتحريم الحرام وأمور الغيب وأصول الإسلام.
ما الذي يميز العقيدة الإسلامية عن بقية العقائد؟
- امتلاك الأدلة الواضحة على صحة أصول العقيدة
- البرهان الذاتي (مضمون القرآن ودلالاته على صحة الإسلام)
كتاب "النبأ العظيم"
كتبه د. محمد عبد الله دراز - يشرح لماذا القرآن كلام الله وليس كلام البشر وما الدليل على أنه لا يمكن أن يكون بشر قد أتى به
من كتاب محاسن الإسلام - أحمد السيد
لا يوجد تراث لأمة من الأمم المتدينة فيه تعظيم للإله الخالق سبحانه وتنزيه له عن النقائض وعما لا ينبغي أن يكون عليه، كم يوجد في القرآن الكريم وفيما صح عن النبي محمد ﷺ من الأحاديث. الإسلام تميز عن سائر الديانات بوضوح العقيدة في (الإله) من جهة الكمالات المتعلقة به، فالعقل لا يجد تكلفاً في قبول الاعتقاد الإسلامي في الله سبحانه بخلاف الخرافات والأساطير الموجودة في تصورات كثير من البشر تجاه الإله.
ما الفائدة المترتبة على وجود العقيدة الصحيحة الثابتة؟
غرس محاسن العقيدة الإسلامية وبيان محاسن الإسلام بشكل عام من أهم ما يمكن أن يُقدم لهذا الجيل، وهو أولى من المعلومات التفصيلية، فإذا اجتمع مع بيان المحاسن توضيح الأصول العقدية وتثبيتها فهنا نكون قد بنينا الأسوار الوقائية للجيل.
- سعادة العبودية لله
- الصبر على مصائب الدنيا وكوارثها ومصاعبها: حين تكون حدود الإنسان عالية سماوية تتطلع إلى عرش الرحمن ومصاحبة الرسول ﷺ في الجنة فإن تأثير المصائب الدنيوية عليه -مهما كان مؤلماً- فسيبقى محدوداً لأنه لم يفقد كل شيء
- معرفة النفس والخالق والغاية
- ضبط الأخلاق
القسم الثاني: أركان الإيمان وركائزه وبراهينه
أركان الإيمان
معالم الدين مكون من ثلاث دوائر أساسية:
- دائرة الإسلام
- دائرة الإيمان
- دائرة الإحسان
في عقيدة أهل السنة والجماعة
الإيمان: قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
هل تدخل الأعمال في الإيمان؟ أم أن الإيمان مجرد اعتقاد؟
لا بد من النظر إلى مجموع الأدلة القرآنية والنبوية وليس إلى دليل واحد، عند النظر في أدلة هذا الباب يتبين أن الأعمال داخلة في الإيمان وأنه ليس اعتقاداً فقط، من هذه الأدلة:
الأنفال 2-4
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ
إذا ذُكر الإسلام والإيمان في موضع واحد
فإن الإسلام يُفسر بالأعمال الظاهرة والإيمان يُفسر بالاعتقاد. وإذا ذُكر أحدهما منفرداً فإنه يشمل الاعتقاد والعمل. فإذا اجتمعا في موضع واحد افترقا من جهة المعنى، وإذا افترقا في الموضع اجتمعا من جهة المعنى.
الإيمان بالله
الإيمان بالله تعالى هو أصل الأصول، وما يليه من الأركان إنما هو فرع عن الإيمان به سبحانه وتعالى.
وجود الله وكماله وربوبيته
- فوا عجباً كيف يُعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحدُ؟
- وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحدُ
للاستزادة في باب وجود الله وآياته في الإنسان والكون يطالع
- كتاب “براهين وجود الله” د. سامي العامري
- كتاب “الصنع المتقن” مصطفى قديح
- كتاب “شموع النهار” عبد الله العجيري
- كتاب “الله يتجلى في عصر العلم” مجموعة مختصين أمريكان
- كتاب “الكوكب المميز” غييرمو غونزاليز و جاي ريتشاردز
- كتاب “ستى أرقام فقط” مارتن ريس
دلائل الفطرة على وجود الله:
- هناك معارف أولية ضرورية حاصلة لكل البشر لم يتعلموها في مدرسة ولم يتلقوها في جامعة وإنما ولدت معهم، كمعرفة أن الحادث لا بد له من مُحدث، من هذه المعارف يستدل بها على وجود الله سبحانه من طريقين:
- من جهة النظر والاستدلال: بالنظر في الكون والإنسان يُعلم أنها حادثة، ثم نستدل بالمعرفة الفطرية أن لكل حادث مُحدثاً خالقاً وهو الله سبحانه وتعالى
- مجرد وجود هذه الغرائز المعرفية الفطرية يدل على أن هنالك من أودعها في نفس الإنسان، لأنها لم تحصل عن اكتساب ولا عن تعلم
- من دلالة الفطرة: ضرورة الافتقار والتعبد، أو الاعتراف النفسي الضروري بالحاجة إلى الخالق سبحانه: في فطرة الإنسان افتقاراً ذاتياً إلى قوة غيبية كاملة غنية يرجو منها الإنسان النفع ويستدفع بها الضر ويتذلل لها خاصة عند الشدائد.
- الغرائز والأخلاق: فبعض الحيوانات عند ولادتها مباشرة تتجه إلى الضرع، ومن الغرائز التي أودعت في الإنسان القيم الأخلاقية كاستحسان الصدق والعدل.
أسماء الله وصفاته
معاني الأسماء الحسنى: الحديث عن أسماء الله وصفاته حديث عظيم جميل لأنه يعرفنا بالله سبحانه وتعالى.
من إحسان الدعاء بالأسماء الحسنى: أن نعرف معانيها وأن نعرف استعمالات الأنبياء لها.
للاستزادة في معاني الأسماء الحسنى
- كتاب “لأنك الله” علي الفيفي، من أسهل الكتب، يناسب الجيل الصاعد
- كتاب “النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى” محمد النجدي
حفظ الأسماء الحسنى وإحصاؤها:
تعيين الأسماء الحسنى:
لم يصح عن النبي ﷺ عدّ الأسماء التسعة والتسعين، إنما اجتهد العلماء في استخراجها.
أسماء الله الحسنى ليست محصورة في هذا العدد، إنما هذا العدد من شأنه أن من أحصاه دخل الجنة.
الاختلاف بين المذاهب في تأويل الأسماء والصفات:
الكلام في الأسماء والصفات أخذ منحى جدلياً عند كثير من الطوائف في التاريخ الإسلامي بعد أن ترجمت الفلسفة والثقافة اليونانية على وقت المأمون -الخليفة العباسي-.
في وقت النبي ﷺ وأصحابه نرى أنهم لم يتعاملوا مع الأسماء والصفات بغير مبدأ التعظيم والتسليم ولم يضعوا قوانين معارضة للنصوص، إنما تعاملوا مع هذه النصوص كما يتعاملون مع سائر نصوص القرآن، فلم يكونوا يتكلفون في معانيها أشياء غير ما يدل عليه كلام العرب.
ويقولون إن النبي جاء مبيناً للقرآن شارحاً للناس ما يريده الله منهم، فلو كان يريد منا أن نتعامل مع نصوص الأسماء والصفات بطريقة تأويلية خاصة لأرشدنا لذلك.
الألوهية
الألوهية هي إفراد الله تعالى بالتعبد، بألا يُعبد إلا هو ولا يُسجد إلا له ولا يستغاث إلا به ولا يُتوكل إلا عليه.
فإن كان توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالملك والخلق والتدبير؛ فإن توحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة وهو متمحور حول كلمة “لا إله إلا الله”.
ضرورة فهم معنى التعبد في الإسلام:
العبادة ليست مجرد ركوع وسجود وإمساك عن الطعام، بل هي محبة وذل وانقياد لله تعالى، في حقيقتها هي تسليم للخالق واستعداد لقبول واتباع كلما يأمر به.
من أهم صور العبادة: حب الخالق العظيم، كلما ازداد العبد محبة لربه طاب قلبه به واستغنى به عن غيره وذاق لذة الإيمان.
كتاب محاسن الإسلام لفريد الأنصاري
وهكذا فأنت ترى أن مدار المادتين (ألِهَ) و (وَلِه) هو على معانٍ قلبية ترجع في مجملها إلى التعلق الوجداني والامتلاء بالحب، فيكون قول المؤمن: (لا إله إلا الله) تعبيراً عما يجده في قلبه من تعلق بربه تعالى، أي لا محبوب إلا الله، ولا مرهوب إلا الله، ولا يملأ عليه عمارة قلبه إلا قصد الله. إنه أشبه ما يكون بذلك الفصيل الصغير، الذي ناح شوقاً إلى أمه إذ أحس بألم الفراق ووحشة البعد، إن المسلم إذ يشهد ألا إله إلا الله، يُقرّ شاهداً على قلبه أنه لا يتعلق إلا بالله، رغبة ورهبة وشوقاً ومحبة.
من ثمرات التوحيد: التعلق بالله وحده وعدم التعلق بالخرافات
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالغيب مبني على مقدمات وأدلة قطعية تقول: إن الله تعالى هو خالق السماوات والأرض، وهو يعلم الأشياء التي خلقها مما غاب عنا رؤيته ومشاهدته، لذلك أحبر سبحانه عن نفسه بأنه “عالم الغيب والشهادة” ثم أخبرنا عن طريق رسله بأمور من الغيب الذي غاب عنا ملاحظته بالحس، واستأثر بأمور من الغيب لم يُخبر بها أحداً مثل موعد قيام الساعة.
نحن نؤمن بالملائكة لأننا آمنا بالله تعالى.
من هم الملائكة وما هي صفاتهم؟
هم خلق من خلق الله، مخلوقون من نور، لهم وظائف كثيرة كلفهم الله بها، وهم يسبحون بالليل والنهار ويواصلون التعبد بلا فتور.
حديث في صحيح مسلم
خُلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم
من صفاتهم الخلقية
- مخلوقون من نور
- لهم أجنحة متفاوتة العدد
- لا يأكلون ولا يشربون
من وظائف الملائكة
- الاستغفار للمؤمنين
- يتتبعون مجالس الذكر ويحضرونها ويتزاحمون عليها ويتنادون
- يحضرون صلاة المسلمين ويشهدونها فيؤمنون مع الإمام ويستمعون القرآن ويُسجلون الداخلين إلى الجمعة
- نُصرة المؤمنين وتأييدهم
- من الملائكة من هو موكل بإنزال الوحي من الله إلى أنبيائه\
- الموكلون بقبض الأرواح عند حلول آجالها
- كتابة ما يعمله البشر من أعمال وأقوال وتسجيلها في صحف وكتب
- حمل عرض الرحمن ذي العزة والجلال
- تبشر المؤمنين عند الموت برحمة الله وجنته
الإيمان بالكتب
من أهم الكتب المؤلفة في إعجاز القرآن
- كتاب “بيان إعجاز القرآن” الخطابي
- كتاب “إعجاز القرآن الكريم” الباقلاني
- كتاب “دلائل الإعجاز” الجرجاني
- كتاب “النبأ العظيم” محمد عبد الله دراز
الركن الرابع: الإيمان بالرسل
نحن نؤمن بكل الرسل الذين قص الله علينا خبرهم في القرآن، فما أخبرنا به مفصّلاً آمنّا به مفصلاً ومما أخبرنا به مجملاً آمنا به مجملاً.
الإيمان المفصل يتعلق بأسمائهم وصفاتهم وكتبهم وأخبارهم، والإيمان المجمل مفاده: أن هناك رسلاً أرسلهم الله وإن كنا لا نعلم عنهم شيئاً لكننا نصدق بوجودهم.
دين الأنبياء واحد وشرائعهم مختلفة
- يخبرنا القرآن بأن الأنبياء كلهم كانوا مسلمين لله تعالى، أديانهم قائمة على التوحيد. (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين) آل عمران 67
- يخبرنا القرآن بأن الأنبياء وإن كانوا يشتركون في التوحيد وأصل الرسالة إلا أن شرائعهم تختلف ما بين نبي وآخر. (لكلٍ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجاً) المائدة 48
- يخبرنا القرآن أن النبي ﷺ بُعث مصدقاً للأنبياء في أصل هذه الرسالة وأن شريعته جاءت ناسخة لكل الشرائع السابقة ومهيمنة عليها. (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) المائدة 48
أصناف المكذبين بالرسل والنبوات
- الملحدون: الذين لا يعترفون بوجود الله أصلاً، وهؤلاء لا يكون النقاش معهم أصلاً في تفاصيل النبوة بل في إثبات وجود الله سبحانه وتعالى.
- الربوبيون: الذين يؤمنون بوجود الخالق وينكرون كل الأديان، هؤلاء يكون النقاش معهم من مبدأ أهمية النبوة وضرورتها وتوافقها مع الحكمة الإلهية، ثم بإثبات نبوة النبي ﷺ.
- أصحاب الأديان الذين يؤمنون بأنبياء ويكفرون بآخرين، كاليهود والنصارى، هؤلاء يكون النقاش معهم بإثبات نبوة محمد ﷺ، وأنه لا فرق بين الرسل من جهة أصول رسالاتهم، وأن رسالة النبي مصدقة لرسالات الأنبياء وليست مكذبة لها.
دلائل نبوة النبي ﷺ
من أجمع الكتب المتقدمة في الدلائل والبراهين على اثبات نبوة النبي ﷺ: كتاب دلائل النبوة للبيهقي، ومن أفضل الكتب المعاصرة كتاب براهين النبوة لسامي عامري، وكتاب النبأ العظيم لمحمد دراز.
النبوة خبر من الأخبار، أي أن النبي يُخبر بأنه نزل عليه الوحي والمُخبر إما أن يكون صادقاً أو كاذباً، وتمييز الصادق من الكاذب في الأمور الكبيرة -مثل النبوة- سهل جداً لأن الذي يدعي أنه نبي ولا يكون كذلك فإنه يكون من أشد المخلوقات كذباً، وتمييز هذا النوع من البشر في غاية اليسر.
"النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تُعرب عنهما وتعرِّف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟"
– ابن أبي العز الحنفي - شرح الطحاوية
تنوع وتكامل دلائل النبوة
- الكمال الأخلاقي (الصدق والأمانة)
- شهادة قومه له بالصدق
- تسليم أمانات المشركين قبل الهجرة
- تبليغ الآيات التي فيها عتاب له
- حادثة الإفك - تربص شهراً كان شديداً عليه جداً لم يقل فيه شيئاً من عنده حتى نزل الوحي
- الآيات الحسية
- أعظمها: عجز العرب عن معارضة الكتاب الذي جاء به
- نبع الماء من بين أصابعه
- الشفاء بريقه وبمسحة يده
- تكثير الطعام بين يديه
- انشقاق القمر
- الأخبار الغيبية
- الإخبار بدخول مكة
- الإخبار بمقتل قادة مؤتة (البخاري 1246)
- الإخبار بمقتل عمار على يد مسلمين بغوا عليه: “تقتل عمار الفئة الباغية” البخاري 447
- الإخبار بخروج الخوارج: “تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين” مسلم 1064
- الإخبار بأن الحسن بن علي سيصلح بين فئتين عظيمتين من المسلمين. البخاري 2704
- الإخبار بفتح فارس “لئن طالت بك حياة لتُفتحنّ كنور كسرى” البخاري 3595
- حديث أن من علامات الساعة: “أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان” مسلم 8
- القرآن الكريم
- وجوه دلالة القرآن على صدق النبي ﷺ كثيرة جداً.
- القرآن يدل بأكثر من ذلك، ففيه الأخبار الغيبية أيضاً -غير أخبار السنة- مثل (آلم، غُلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين) الروم 1-4
- فيه العلوم العالية (الدقيقة جداً والمُعجزة) التي لم يعرفها العرب ولا يستطيعونها مع أن النبي ﷺ نشأ بينهم
- أخبار الكتب السابقة
الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر
لحظة الموت والانتقال للدار الآخرة
يبدأ اليوم الآخر بالنسبة للإنسان عند لحظة موته، فينتقل من عالم الدنيا إلى عالم آخر محجوبة حقائقه عن حواسنا، وإن كنا نعلمها بالخبر الصادق عن النبي ﷺ.
يوم القيامة يسمى في القرآن الكريم (الساعة)، وكذلك جعل النبي ﷺ لحظة موت الإنسان “ساعةً” بالنسبة إليه.
عند تلك اللحظة الرهيبة العظيمة تأتي البشرى للمؤمن برضوان الله وجنته، فيُقال له: لا تخف مما أمامك ولا تحزن على ما وراءك.
عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه". قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت! قال: "ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حُضِر بُشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه كره لقاء الله، وكره الله لقاءه"
— البخاري 6507
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ
فصلت - 30
هذه اللحظة عصيبة مؤلمة شديدة على المنافق والكافر والفاجر فالإنسان في تلك اللحظة يحتاج إلى أدنى بصيص ضوء أو أمل فتأتيه النذارة بأن الله ساخط عليه وأن ما أمامه إنما هو العذاب
..وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ
الأنعام - 93
العبّاد والصالحون كانوا يعملون لتلك اللحظة وما بعدها كثيراً ويقومون لأجلها الليل يصلون قانتين لله.
أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ
الزمر - 9
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ
السجدة - 16
القبر: فتنته ونعيمه وعذابه
في مرحلة البرزخ -بعد موت الإنسان وقبل بعثه- لا يعيش الإنسان مرحلة فراغ بل يمر برحلة طويلة للروح إما نعيم وإما شقاء، وأول ما يوضع في القبر يتعرض للسؤال والامتحان من جهة ملائكة مخصصة لذلك، وسيجيب بحسب سيره في الحياة الدنيا، وبناء على هذا الجواب سيعيش بقية حياته البرزخية في القبر.
في تلك البقعة الضيقة يتمنى الإنسان أن يرى أي أثر لعمل صالح، يتمنى أن يكون قد بقي له شيء يدر عليه الحسنات - كالصدقات الجارة أو الولد الصالح الذي يدعو له.
من أدلة الكتاب والسنة على فتنة القبر ونعيمه وعذابه وما ينفعه
- عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: (يُثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) قال: “نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد ﷺ، فذلك قوله عز وجل (يُثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)”
- عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة؛ إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له” مسلم 1631
النفخ في الصور
في لحظة لا يعلم زمانها إلا الله بعد رحلة طويلة في البرزخ: يُنفخ في الصور بصوت عال مهيب صاخّ صارخ، فيبعث الله معه الناس من قبورهم، ويحشر الأجساد ويحييها بعد الموت كما يحيي الأرض بعد موتها. وكما خلق الإنسان أول مرة من العدم فإنه يعيد إحياءه وخلقه مرة آخرى.
وهذه النفخة التي يبعث الله بها الناس هي الثانية، أما الأولى فهي نفخة يُصعق بها من في السماوات ومن في الأرض (من بقي حياً في وقت نهاية الدنيا)
الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر
البعث والحشر
عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يُحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا" قلت: يا رسول الله النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال ﷺ: "يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض"
– مسلم 2859
كل شيء حينذاك مهول مخوف، فالأرض غير الأرض، والنجوم متناثرة، والسماء منشقة، والبحار مشتعلة.
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا - فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا - لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا
طه 105-107
فيكون الناس كالفراش المبثوث، ويفرّ الأخ من أخيه وأمه وأبيه، لأن لكل منهم يومئذ شأن يغنيه.
روى سهل بن سعد عن النبي ﷺ قال: "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد"
أي مستوية ليس فيها سكن ولا بناء ولا أثر لبشر – البخاري 6521 ومسلم 2790
روى ابن عمر عن النبي ﷺ (يوم يقوم الناس لرب العالمين) قال: “يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه” مسلم 2862
الآمنون من الفزع الأكبر
في ذلك المقام الذي يجتمع فيه الخوف والفزع والحر وطول المقام والعطش، تفيء ثلة من الناس إلى ظلٍ يظلهم الله به، ظليل بعيد عن هذه الشدة والهول. (حديث سبعة يظلهم الله في ظله)
الحوض
في مقام الشدة ذاك هناك موعد شريف للمؤمنين من أعظم المواعيد وأجلّها، هو موعد لقاء النبي ﷺ على الحوض.
عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ "حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبداً"
– البخاري 6579
عن ثوبان أن نبي الله ﷺ سئل عن شراب الحوض فقال: "أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يغتّ (أي: يصبّ) فيه ميزابان يمدّانه من الجنة؛ أحدهما من ذهب والآخر من ورِق"
– مسلم 2310
طلب الشفاعة لبدء الحساب
حديث البخاري 4712
بدء الحساب والقضاء بين الناس وعرض الأعمال والموازين والصحف
- يؤتى بجهنم تجرها الملائكة فيراها الخلق، قال ﷺ: “يؤتى بجهنم يؤمئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك” - مسلم 2842
- يحاسب الله البشر فرداً فرداً (فوربك لنسألنّهم أجمعين، عما كانوا يعملون) وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: “ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى لا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة” - البخاري 7512
- الحساب أنواع: منه الحساب اليسير -وهو العرض- (فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حساباً يسيراً)، وهنا حساب عسير، تعرض فيه الأعمال ويتم نقاشها، كما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: “ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك”
- يوضع الميزان فتوزن أعمال الإنسان حسناته وسيئاته
- يفاجأ الإنسان بأن كل شيء من عمله مكتوب، ألفاظه وأعماله ومعتقداته، خطواته ونظراته، سعيه وكدّه، هزله وجدّه، كل شيء يجده أمامه
- ثم يعطى الإنسان كتابه، فإن أخذه بيمينه فيا لهنائه وسعده وفلاحه وفوزه، ينطلق فرحاً منادياً مسروراً، وإن أعطيه بشماله فقد خسر كل شيء وانتهى بالنسبة إليه كل شيء
- ثم يؤخذ بأهل النار إلى النار، نسأل الله العافية
الصراط
بعد ساحة الحشر وفي طريق التوجه إلى الجنة، وبعد أن يلقى بأهل النار الذين عم أهلها في النار، يجتاز البقية من فوق الصراط الذي يكون آخر تصفية وغربلة، وهو جسر مضروب على جهنم يمرّ الناس فوقه كلٌّ بحسب عمله وإيمانه، حتى يسقط بعضهم ممن لم يُسعفه عمله للإجازة والعبور.
الشفاعة في الخروج من النار
لا يستطيع أحد أن يشفع عند الله كشفاعة أتباع الملوك، إنما تكون الشفاعة أولاً بإذن الله، ثم تكون فيمن ارتضى الله -وهم أهل التوحيد- وأما غير الموحد فلا تنفعه الشفاعة ولا يأذن الله في الشفاعة لهم.
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الله سيُخرج من أهل النار أقواماً ممن في قلوبهم خير من أهل التوحيد، ممن استحقوا النار بذنوبهم، ممن لم تكن لهم حسنات كافي في الدنيا، فيُطَهرون في جهنم ثم يُخرجون منها ويدخلون الجنة.
هذه الشفاعة ليست خاصة بالنبي ﷺ بل هي لكثير من المؤمنين، أما الخاصة به -وهي المقام المحمود الذي وُعده- فهي للأمم كلها في الفصل والقضاء والحساب بعد طول الموقف والهول.
من أثر الصحبة الصالحة في الدنيا، يكون أناس من المؤمنين سيشفعون لمعارفهم وأصدقائهم -من أهل التوحيد بإذن الله تعالى.
دخول الجنة
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فاقرءوا إن شئتم: (فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعين)"
– البخاري 3244
جهنم
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم". قيل: يا رسول الله، والله إن كانت لكافية! قال: "فُضّل عليهن بتسعة وستين جزءاً، كلهن مثل حرها"
– البخاري 2843
سماها الله بأسماء متعددة كل اسم منها يدل على معنى ووصف وأثر لها، من أسمائها في القرآن: سقر، لظى، السعر، الحطمة، الجحيم، جهنم، والنار.
ويجعل الله أجسام الكفار فيها أكبر من المعتاد لكي يذوقوا العذاب، بالإضافة إلى أنه يبدل جلودهم كلما احترقت. ويتمنى من فيها الموت بكل وسيلة لكي ينجو من العذاب، ولكن هيهات فقد فات الأوان، ولا مجيب لهم ولا مغيث، ولا يكلمهم الله سبحانه وتعالى.
الركن السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره
لا يُقدر الله شراً محضاً
أخبر النبي ﷺ في حديث جبريل أن من أركان الإيمان: “أن تؤمن بالقدر خيره وشره”، السؤال هنا: هل يكون من أقدار الله ما هو شر؟
الجواب: أنه قد يكون شراً بالنسبة لمن وقع عليه القدر لا أنه شر خالص من كل الجهات، فلله تعالى الحكمة البالغة، وهو يعلم ما لا نعلم، فقد يقدّر شيئاً ظاهره الشر ولكن ينبني عليه خير كثير.
مثال: عند فقد الإنسان حبيباً أو قريباً فإنه بتقديره قد يتساءل لماذا؟ وقد يعترض وقد يرى ذلك شراً خالصاً، بينما ذلك في تقدير الله له معانٍ كثيرة: منها الابتلاء، تكفير السيئات، رفع الدرجات، ومنها العقوبة، ومنها القدر المحض والأجل، ومنها ما لا نعلم. فلا يصح للإنسان -محدود العلم- أن يعترض على الله الذي له العلم الكامل التام الشامل سبحانه.
ماذا يعني الإيمان بالقدر؟ ومتى نكون مؤمنين بالقدر؟
أول شيء تجاه الإيمان بالقدر أن نؤمن بأنه لا يحدث شيء في هذه الدنيا إلا وقد قدره الله تعالى وكتبه قبل خلق السماوات والأرض، كما ثبت عن النبي ﷺ: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء” مسلم 2653
بعد ذلك مقامات تجاه ما يؤلمنا من أقدار:
- الأول الصبر: وفيه معنى المنع والحبس، أن منع وحبس النفس عن الجزع والتسخط، وهو واجب، من لم يحققه فذلك دليل على ضعف إيمانه بالقضاء والقدر
- الثاني الرضا: وهو مبني على تفويض الأمر لله والتسليم له بأن ما يقدره فهو خير، وهو صابر في نفس الوقت. والرضا مقام عظيم محبوب عند الله تعالى
ثمرات الإيمان بالقدر
- الصبر على المصائب والكوارث: يؤمن أن المصيبة مقدرة وأنه لا يستطيع مغالبة القدر، فيحتمل الألم لأجل الأجر
- السكينة والطمأنينة والرضا
- الأجر والثواب والتعويض: المؤمن يوقن تماماً بأن نعيم الجنة سينسيه كل بؤس وشقاء مر به، كما أنه يعلم أنه إذا ظُلم فلم يستطع أن يأخذ حقه في الدنيا فإنه سيأخذه في الآخرة
- إحسان التصرف واتخاذ القرار وعدم الطيش وقت المصيبة
أنواع كتابة الأقدار وقَسمها
- الكتابة الشاملة لمقادير الخلائق: وهي السابقة لخلق السماوات والأرض وهي في اللوح المحفوظ
- قَسم الأقدار المتعلقة بكل سنة وعام وفَرقها، يكون في ليلة القدر (فيها يُفرق كل أمر حكيم) الدخان 4
- كتابة أقدار الجنين في بطن أمه
هل يصح لأحد أن يحتج على ذنوبه بالإيمان والقدر؟
لا يصح لأحد أن يبرر انحرافه ومعصيته بالقدر، لأن الإنسان له إرادة حقيقية يستطيع الاختيار بها.
الأمور المعينة على الصبر والرضا بالقدر
- تذكر العاقبة وما أعده الله عز وجل للصابرين
- تذكر محبة الله للصابرين، وأن المصيبة قد تكون هي السبب الموجب لمحبة الله للعبد إذا أتبعها بالصبر والإيمان (والله يحب الصابرين)
- اليقين بأن الله سبحانه وتعالى عليم حكيم، فإذا قضى شيئاً فهو خير من جهة تقديره سبحانه وتعالى (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)
- الفهم التام بأن الجزع لا يفيد وأن السخط وبال على الإنسان يضيق الصدر ويكدّر الخاطر ويزيد الذنوب ولا يرد شيئاً
ما يضاد الإيمان
الأبواب المضادة للإيمان
أهمية معرفة الأبواب التي تضاد إيمانه:
- أن يحذرها ويجتنبها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه
- ليزداد بصيرة في معالم الإيمان وحدوده
الكفر والشرك والنفاق
حين نمر على ذكر الشرك والكفر والنفاق عند قراءة القرآن فإننا نتخيل أشياء في غاية البعد عنا، ولا نظن أنها يمكن أن تهدننا في يوم من الأيام.
في الحقيقة فإن كلاً من الكفر والشرك والنفاق فيه درجات، فهناك الكفر الأكبر والكفر الأصغر، والشرك الأكبر والشرك الأصغر، والنفاق الأصغر والنفاق الأكبر.
الأصغر من كل واحد من هؤلاء ليس خاصاً بالكفار بل يمكن أن يقع فيه المسلمون، وهو يقود إلى الأكبر.
فالرياء مثلاً شرك أصغر، وإخلاف الوعد والكذب في الحديث وخيانة الأمانة من صفات المنافقين وهي نفاق أصغر.
فلا بد من معرفة حدود هذه الأسماء والأوصاف وإدراك تفاصيلها وأنواعها لنحذر منها ونجتنبها.
نقلاً عن ابن القيم في مدارج السالكين:
- الكفر نوعان أكبر وأصغر، الأكبر هو الموجب للخلود في النار، الأصغر موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود
- الكفر الأكبر خمسة أنواع:
- كفر تكذيب: اعتقاد كذب الرسل - وهذا القسم قليل في الكفار
- كفر استكبار وإباء مع التصديق: مثل كفر إبليس - وهو الغالب على كفر أعداء الرسل مثل فرعون وكفر اليهود
- كفر إعراض: أن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه ولا يصغي إلى ما جاء به
- كفر شك: لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، الشك لا يستمر إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول ﷺ جملة فلا يسمعها ولا يلتفت إليها
- كفر نفاق: فهو يظهر بلسانه الإيمان وينطوي بقلبه على التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر
- الكفر الأكبر خمسة أنواع:
- الشرك نوعان أكبر وأصغر
- الأكبر: هو أن يتخذ من دون الله نداً يحبه كما يحب الله، وهو الشرك الذي تضمن تسويه آلهة المشركين برب العالمين، وهذا لا يغفره الله إلا بالتوبة منه.
- الأصغر: مثل يسير الرياء والتصنع للخلق والحلف بغير الله. وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وإنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده
- النفاق: فالداء العضال الباطن، الذي يكون الرجل ممتلئاً منه وهو لا يشعر، هو أمر خفي على الناس وكثيراً ما يخفى على من لبس به فيزعم أنه مصلح وهو مفسد
- الأكبر يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله
- الأصغر فهو راجع إلى اختلاف الظاهر والباطن في بعض الأعمال كصدق الحديث والوفاء بالوعد وتأدية الأمانة.
- ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان” البخاري 33 ومسلم 59
- ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: “أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر” البخاري 34 ومسلم 58
الرياء والعمل لغير الله
من علامات ضعف التعلق بالله وقوة التعلق بغيره أن يعمل المسلم أعمالاً هي في أصلها عبادات لكنه يقوم بها ليكتسب مكانه عند الناس وسمعة.
العمل لغير الله له صورتان:
- أن يقصد الإنسان بعمله الناس ابتداء وانتهاء، فهذا رياء محض. وهو من صفات المنافقين.
- أن يقصد الله بعمله ولكن بالإشراك مع نية أخرى، فهذا العمل باطل.
إن كان قد أنشأ العمل لوجه الله، ثم طرأت عليه نية الرياء بعد النية الصالحة فدافعها ولم يجعلها تستقر فهذه الحال لا تضر المؤمن ولا تبطل العمل ولا تؤثر على صاحبها من جهة الثواب والعقاب.
من أعظم ما يعين الإنسان على الإخلاص: معرفة الله حق المعرفة، والطمع في ثوابه والخوف من عقابه، وعدم تعظيم الناس فوق مرتبتهم.
موالاة الكفار (الولاء والبراء)
من الأصول العقدية المهمة في دين الإسلام: موالاة أحباب الله وأوليائه ونصرتهم، ومعاداة أعدائه والبراءة منهم.
عقيدة الولاء والبراء لا تعني الظلم للكفار ولا عدم الإنصاف معهم أو ترك الإحسان إلى من يستحق الإحسان منهم
الخاتمة
عقيدة المسلم ليست نصوصاً تُحفظ ولا أقوالاً يُجادل بها، وإنما هي إيمان وخشوع وأخبات، وعمل وفاعلية وحياة، ويقين وطمأنينة ورضا.
إلى طلاب العلم والقائمين على العمل الدعوي والتربوي والمشتغلين بالدرس العقدي:
علينا أن نغرس أصول العقيدة والثوابت الكبرى في عقول الجيل، وأن نعتني باللغة المقنعة المبرهَنة، وأن نحرص على تحقيق الأثر العقدي المرجو من علم العقيدة، ألا وهو الإيمان بالغيب والتسليم لله ورسوله والانقياد لهما، وتحقيق العبودية لله توكلاً وإنابةً واعتصاماً.
إشكالات اليوم أدت إلى تفكيك الإنسان وقطعت علاقته بالغيب، وفتت أصوله وقيمه ومرجعياته الأخلاقية الكبرى.
إن فهم المشتغلين بالدرس العقدي للاتجاهات العلمانية والليبرالية والإلحاد والمادية والعلموية والإنسانوية ونحوها لا يقل أهمية عن فهمهم لأقوال المعتزلة والمرجئة والقدرية والخوارج، بل الحاجة لفهم أقوال تلك الاتجاهات أمس والضرورة إلى نقضها أشد.